المغلق، وأقاد الصعاب، وأفاد الصحاب، وكان ندى يتفجر ولالا، ولا تعرف أيامه زوالا، وشق البحر وراءه والتطم، وبلغ السيل آثاره وارتطم، ورجع خلفه السحاب بغيظه محنقًا والبرق بناره محرقًا، فما نهنه في طلب، وما زهزه لطرب إلى أن فصل عليه الكفن، ولم يشك أن دافنه للشمس قد دفن.
قال صاحب بغية الألباء: كان غاية في الذكاء والفهم، آية في علم العربية خاصة، وفي سائر العلوم كافة، ورأيت قومًا من نحاة بغداد يفضلونه على أبي علي الفارسي. زعموا أنه كان يعرف ما عرف أبو علي، وزاد عليه في علم الأدب وغيره؛ لتفننه في جميع العلوم، قد سمع حديث النبي ﷺ وأكثر تفهمه، وعرف صحته وسقمه، وبحث عن أحكامه، وتبحر في علومه، ورأيت بخطه كثيرًا من كتب الحكمة، وكان حسن السيرة سالكًا طريقة الأوائل في هديه وسمته، لا يتكلف في شيء من أمر ملبوسه وهيأته، وإذا سمعت كلامه، ظننته عاميًا لا يفقه شيئًا.
وكان مع ما شاع من فضله مشتهرًا بلعب الشطرنج، وكان رؤساء زمانه ووزراء وقته يودون مجالسته ويتمنون محاضرته، فيتركهم ويمضي إلى حريف له ونجي، قبيح الصورة، سمج الألفاظ، يعرف بشبيل، فيجلس معه على قارعة الطريق في بعض الدكاكين ويلاعبه، ويسافهه ويهزأ به، أو يمضي إلى الرحبة، أو شاطئ دجلة، فيقف على الحلق، وأرباب الحكايات والشعبذة وما ناسبهم، فكان إذا لاموه على ذلك، يقول: إنه تندر منهم نوادر لا يكون أحسن، ولا ألطف منها، وصحة قرائحهم وتصديهم لما هم بصدده، وكان مع ذلك لا يخلو كمه قط من الكتب وأنواع العلوم، وكان بينما هو يمشي في الطريق، يخطر له قراءة شيء، فيجلس كيف اتفق، ويفتح الدفاتر فيطلع فيها، وكان يعتم العمة، فتبقى أشهرًا معتمة حتى تتسخ أطرافها من