مات الجنيد [ودفناه، تقدّمنا ذلك المصاب، وصعد موضعًا رفيعًا وقال لي: «يا أبا محمد! تراني أرع إلى تلك الخربة بعد أن فقدت ذلك السيد؟!». ثم] أنشأ يقول: [من مخلع البسيط]
وا أسفا من فِرَاقِ قَومٍ … هُمُ المصابيح والحصون
والمدن والمزن والرَّوَاسي … والحبر والأمن والسُّكُونُ
لم تتغر لنا الليالي … حتّى توفتهم المنون
فَكُلُّ جَمْرِ لنا قُلوبٌ … وكلُّ ماء لنا عُيونُ
ثم غاب عنا، فكان ذلك آخر العهد منه].
ومنهم:
[٢٧] أَبُو عُثْمَانَ، سَعِيدُ بنُ إسماعيلَ الحيري (¬١)، المقيم بنيسابور
عارف زجر نفسه ووعظها، ورأى نفسه في مرمى كل نظرة لحظها، فحل رموز آماله، والتمس كنوز القرآن في أمثاله، وصحب قومًا اتخذوا نفوسًا، وشهدوا في العلياء شموسا، في فيئه قطعوا أودية الأعمار هياما، وطاولوا ألوية الليل قياما، ولم يخدع أحدًا منهم متاع الدنيا ولا استجرّه، ولا حام إلا على زهر الثريا ونهر المجرة، وأمسى وتربه يستهدي طيبا، ويندى عنبرًا وعودًا رطيبا.
كان من الري، وصحب شاه الكرماني، ويحيى بن معاذ. ثم ورد نيسابور مع الكرماني على أبي حفص الحداد، وأقام عنده وتخرج به، وزوجه أبو حفص ابنته. ومات سنة ثمان وتسعين ومائتين، وعاش بعد أبي حفص نيفًا وثلاثين سنة.