فها أنت فامددني لكي أُدرِكَ المُنَى … وأحوي العُلوم الغامضاتِ تَكَرُّما
ووقني المَحْذُور والشر كله … بأمرِ مَليك خالق الأرض والسما (¬١)
ومنهم:
[٢٠] أبو الفرج، عبد الله بن الطيب، كاتب الجاثليق (¬٢)
كان مع توسعه في الحكمة، وتتبعه لسرجها المضية في كل ظلمة، مصرًا على نصرانيته، معظمًا لأمور رهبانيته، ينقاد إلى خُدعها، ولا يخفى عليه أنها ضلال، ويتردد إلى بيعها ولا يعتريه ملال، ويعظم صورها الممثلة، ويظل عليها عاكفًا وإليها عاطفًا، وهو على يقين من أنها لا تنطق ولا تمسك عليه من خزائن رزقها ولا تنفق، على أنه كان إمامًا في الطبيعي لا يعدو علمه ولا يخاف عدمه، فأما من ذكر سواه فكثيرًا ما يجد من واساه.
ذكره ابن أبي أصيبعة وقال (¬٣): هو الفيلسوف الإمام العالم. كان متميزًا بين النصارى ببغداد، ويقرئ الطب في البيمارستان العضدي، جليل المقدار، واسع العلم، شرح كثيرًا من كتب أرسطو وأبقراط وجالينوس، وكانت له قوة في التصنيف، وأكثر ما كانت تؤخذ عنه إملاء من لفظه، وكان الرئيس يحمده في الطب ويذمه في الحكمة.
وقال فيه: وكان يقع إلينا كتب يعملها الشيخ أبو الفرج بن الطيب في الطب ونجدها صحيحة مرضية خلاف تصانيفه في المنطق والطبيعات، وما يجري معها.
وحكى ابن القف: أن رجلين أتيا من بلاد العجم للقراءة على ابن الطيب، فقيل لهما: إنه في الكنيسة للصلاة، فأتيا إليه في الكنيسة، فوجداه لابسًا ثوب صوف مكشوف الرأس، وبيده مبخرة فيها بخور، وهو يدور في الكنيسة يبخرها، فتأملاه