بأسرار الأدوية مناجى، أو أوتي أجزل من ابن جزلة منهاجا، لعلم بالعقاقير وأشخاصها وعموم منافعها واختصاصها مع حسن جمع، وإتقان ما يلج في سمع. وعرف فيها مقالات الحكماء وحررها، وألف فيها المطولات وحبرها وكان نسيج وحده، ووشيج جفان بأسده. تقلب في البلاد، وجلب ما يبقى على الآباد، ثم مات ولله في خلقه أمر، وجناها على نفسه وقال: بيدي لا بيد عمرو.
قال ابن أبي أصيبعة فيه (¬١): أوحد زمانه، وعلامة أوانه في معرفة النبات وتحقيقه واختباره، ومواضع نباته، ونعت أسمائه على اختلافها وتنوعها، سافر إلى بلاد الأغارقة وأقصى بلاد الروم، ووجد جماعة ممن يعاني هذا الفن، وأخذ عنهم معرفة نبات كثير، وعاينه في مواضعه، واجتمع أيضًا في المغرب وغيره بكثير من الفضلاء في علم النبات، وعاين نباته، وتحقق ماهيته وأتقن دراية كتاب ديسقوريدس اتقانًا بلغ فيه إلى أن لا يكاد يوجد من يجاريه فيما هو فيه، وذلك أنني وجدت عنده من الذكاء والفطنة والدراية في النبات، وفي نقل ما ذكره ديسقوريدس وجالينوس فيه ما يتعجب منه.
أول اجتماعي به كان بدمشق سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ورأيت أيضًا من حسن عشرته وكمال مروءته وطيب أعراقه وجودة أخلاقه وكرم نفسه ما يفوق الوصف ويتعجب منه ولقد شاهدت معه في ظاهر دمشق كثيرًا من النبات في مواضعه، وقرأت عليه أيضًا تفسيره لأسماء الأدوية [في] كتاب ديسقوريدس، فكنت أجد من غزارة علمه ودرايته وفهمه شيئًا كثيرًا، وكنت أحضر لدينا عدة من الكتب المؤلفة في الأدوية المفردة مثل كتاب ديسقوريدس وجالينوس والغافقي وأمثالها من الكتب الجليلة في هذا الفن، فكان يذكر أولًا ما قاله ديسقوريدس من نعته وصفته وأفعاله ويذكر أيضًا ما قاله جالينوس فيه من نعته وأفعاله ومزاجه، وما يتعلق بذلك، ويذكر أيضًا ما قاله المتأخرون