لكذلك، إذ سمعت ركضًا من الدهليز، وقائلًا يقول: أين الرجل، قال: ها هو ذا، قال: ادعوا بغسول وخلعة وطيب، ففعل ذلك بي، وحملت على دابة إلى دار الخليفة، فعرفتها بالتكبير والحرس والنيران، فجاوزت مقاصير عدّة حتى صرت إلى دار قوراء فيها أسرة في وسطها، قد أضيف بعضها إلى بعض. قال: فأمرني الرجل بالصعود فصعدت وإذا رجل جالس عن يمينه ثلاث جوار في حجورهن العيدان، وفي حجر الرجل عود، فرحب الرجل بي، وإذا مجالس خالية كان فيها قوم قد قاموا عنها، فلم ألبث أن خرج خادم من وراء الستر، فقال الرجل تغنّ، فانبعث يغني بصوت فيه لي وهو (¬١): [من البسيط]
لم تمش ميلًا ولم تركب على قتب … ولم ترَ الشَّمْسَ إِلا دُونَهَا الكِلَلُ
تمشي الهوينا كأنَّ الشمسَ تُوحِشُهَا … مَشْيَ اليَعَافِيرِ في جنباتِهِ الوَهَلُ
فغنّى بغير إصابة، وأوتار مختلفة، ودساتين مختلفة، ثم عاد الخادم إلى الجارية التي تليه، فقال: تغني،، فغنت بصوت لي كانت فيه أحسن حالًا من الرجل، وهو (¬٢): [من البسيط]
يا دار أضحتْ خَلاءً لا أنيس بها … إلا الظباء وإلا الماشط الفَرَدُ
أين الذين إذا ما زرتهم جَذِلوا … وطارَ عَنْ قلبي الأشواقُ والكَمَدُ
ثم عاد الخادم إلى الجارية الثانية، فاندفعت تغني بصوت لحكم الوادي، وهو (¬٣): [من الطويل]