يردُّ المال، فبكى الحادي، وقال: يا أمير المؤمنين، قد مضت به السنون، وقضيت به الديون، ولا والذي أكرمك بالخلافة ما بقي منه شيء. فلم يزل به أهله وخاصته يسألونه في أمره حتى كف عنه، وشرط عليه أن يحدو به ذاهبًا وراجعًا، ولا يأخذ منه شيئًا.
قال: هوي محمد بن عيسى الجعفري بصبصًا - جارية نفيس - فهام بها وطال عليه ذلك، فقال لصديق له: لقد شغلتني هذه عن ضيعتي، وكل أمري، وقد وجدت مس السلوّ عنها، فاذهب بنا حتى أكاشفها بذلك، واستريح فأتيتها، فلما غنت لهما، قال محمد بن عيسى: تغنيني (¬١): [من الوافر]
وكنتُ أحبكم فسَلَوتُ عَنْكُمْ … عليكم في ديارِكُمُ السَّلامُ؟
قالت: لا ولكني أغني: [من الوافر]
تَحَمَّلَ أهلها عنَّا فبانُوا … على آثارِ مَنْ ذَهَب العَفَاءُ
قال فاستحسنها،، ثم زاد بها كلفًا، فأطرق ساعة، ثم قال لها: أتغنيني (¬٢): [من الطويل]
وأخضع بالعُتْبَى إذا كنتُ مذنبًا … وإِنْ أَذْنَبَتْ كنتُ الذي أَتَفَضَّلُ
قالت: نعم، وأغني [من الطويل]
فإن أقبلوا بالوُدِّ نقبلُ مثلَهُ … وننزلُكُمْ مِنَّا بأقرب منزل
قال: فتقاطعا في بيتين، وتواصلا في بيتين.
وفي بصبص هذه يقول ابن أبي الزوائد (¬٣): [من السريع]
بصبص أنتِ الشمسُ مِنْ ذاته … فإن تبدلت فأنتِ الهلال
سبحانك اللهم ما هكذا … فيما مَضَى كان يكون الجَمَال
إذا دَعَتْ بالعود في مَشْهَدٍ … وعاودت يُمنى يديها الشمال
غنت غناءً يستفده الفَتَى … حِذْقًا وزاد الحِذْقُ منها الدلال (¬٤)