فلم تقبل، وإنما أبدأ بما دعوتك إليه، فاندفع فغنّى عشرة أصوات، فلم يعرف أحد منهم صوتًا واحدًا كلّها من الغناء القديم والغناء الملاحق به صنعة المكيين الحذاق الخاملي الذكر، فاستحسن المعتصم منها صوتًا، فأسكت المغنين له، وأعاده مرات، وهو يستعيده، ولم يزل يشرب عليه سحابة يومه، وأمر له بألفي دينار، وخلع عليه، وعلى جماعته الندماء مماطر لها شأن من ألوان شتى، فسأل عبد الوهاب بن علي أن يرد عليه الصوت ويجعل له مِمْطَرَةً فغنّاه إياه، فلما خرجوا للانصراف أمر غلمانه بدفع الصوت الممطر إلى غلمان أبي، فسلموه إليهم. والصوت (¬١): [من مجزوء الخفيف]
لَعَنَ اللهُ مَنْ يَلُومُ مُحِبًَّا … ولَحَا اللهُ مَنْ يُحِبُّ فيأبى
ربِّ الْفَيْنِ أَظهَرَا الحُبَّ دَهْرًا … فَعَفَى الله عنهما حِينَ تَأْبَى
[٥٦] بذل (¬٢)
جارية نقصت البدور المقمرة، واستنقصت فيها القناطر المقنطرة، وتحاسدت عليها الملوك أصحاب الأسرة واهتبلت فيها الغرة، وسخنت فيها البحر عني وامتحنت بمماثلة طيبها المسك، فأصبح تحت القهر ممتهنًا، وكانت رأسًا في الطرب، إلا أنه بالتاج معتصب، ولهوى الخلفاء مغتصب، وبرزت على كل ذات قناع، وأخذت القلوب بلا امتناع، وكانت أعلام الغناء نكرات لديها، ومبكرات لا تصل إليها، يعترف لها مثل ابن المهدي، ويعترض عليها حتى يحضر معها في الندي، وكان لا يرى بنو العباس غير فينتها شرفًا، ولا بعد أدنى هون الرشيد في سواها إلا سرفًا.