فتغنيهم. وغنّت يومًا عمر بن أبي ربيعة لحنًا لها في شيء من شعره، فشقّ ثيابه، وصاح صيحة عظيمة صعق منها؛ فلمّا أفاق، قال له القوم: لغيرك الجهل يا أبا الخطاب. قال: إنّي سمعت والله ما لم أملك به نفسي، ولا عقلي.
قال خارجة بن زيد: دعينا إلى مأدبة في آل نبيط، فحضرتها وحسّان بن ثابت، فجلسنا معًا على المائدة، وهو يومئذ قد ذهب بصره، ومعه ابنه عبد الرحمن، وكان إذا أتي بطعام سأل: أطعام يد، أو يدين - يعني باليد الثريد، وباليدين الشواء - إلّا أنّه يمس مسًا، فإذا قيل له طعام يد، أكل، وإذا قيل: يدين، أمسك يده؛ فلمّا فرغوا من الطعام أتي بجاريتين مغنيتين أحدهما ريقة، والأخرى عزّة، فجلستا، وأخذنا مزهريهما وضربتا ضربًا عجبًا غنّتا بقول حسّان:
أنظر نهارًا بباب خُلْق … هل تونس دون البلقاء من أحد
فأسمع حسّان يقول: قد رآني هناك سميعًا بصيرًا، وعيناه تدمع، فإذا سكنتا، سكت عنه البكاء، فإذا غنّتا بكى، فكنت أرى ابنه عبد الرحمن إذا سكت يشير إليهما أن يغنّياه، فيبكي أباه.
قال: كان بالمدينة رجل ناسك من أهل العلم والفقه، وكان يغشى عبد الله بن جعفر (¬١)، فسمع جارية لبعض النخاسين تغنّي (¬٢): [من البسيط]
بانت سعاد وأضحى حليها انقطعا
فاشتهر بها وهام، وترك ما كان عليه حتّى مشى إليه عطاء (¬٣) وطاوس (¬٤)، فلاماه،