قال عمرو بن بانة: كان من جيراني رجل من البرامكة، وكانت له جارية أديبة مغنية يقال لها: خنساء، يدخل إليها الشعراء، فيقارضونها، ويسألونها عن المغاني، فتأتي بكل غريبة وبديعة، فدخل إليها يومًا سعيد بن وهب (¬١) فحدثها طويلًا.
ثم قال (¬٢): [من الهزج]
أبيني لي أيا خنسا … ءُ عَنْ خنس من الشعر
وماذا طوله شِبْرٌ … وَقَدْ يُوفِي على الشبر
له في رأسهِ شَقٌ … بِطَوْقٍ بالنَّدَى يَجْرِي
إذا ما جَفَّ لمْ يَنْفَعـ … كِ في بَرٌ ولا بَحْر
وإن بُلَّ أَتَى بالعَجَبِ … المُعْجِبِ والسِّحْرِ
وإني لمْ أَرِدْ فُحشًا … وَرَبِّ الشفع والوتر
ولكنْ صُغْتُ أبياتًا … حَوَت معنى مِنَ السِّر
قال: فغضب مولاها وتغيَّر لونه، وقال لسعيد: أتخاطب جاريتي بالفحش والخنا؟ فقالت الجارية: خفض عليك ما ذهب إلى ما ظننت وإنما يعني القلم. فسُرِّي عنه، وضحك سعيد، وقال: هي أعلم منك بما سمعت، فاحتبسه مولاها عنده يومه، فجعلت تغنيهم تارة، وتقارضهم تارة إلى أن سكروا.
قال عمرو: ثم لقيني مولاها، فسألته عن القصة، فحدثني بها، وأخرج إلي ابتداء سعيد وجوابها تحته وهي: [من الهزج]
أَبَا عُثمانَ حاجَيْتَ بما … قُلْتَ مِنَ الشَّعْرِ
فَتَاة ذلك الشعر … لها صافية الفكر
وفي ظاهره فحش … وليْسَ الفُحْش في الستر
أَرَدْتَ المُخطَفَ المُرهَفَ … إِذْ يَبْرِيهِ مَنْ يَبْرِي
وكتبت البرمكية على عصابتها: [من الطويل]