ومنهم:
[١٨٦] بديع جارية المحلمي
وكانت جارية سمراء، تحكي الأسمر البرني قدًا وكأنه أنبوب، والأبيض اليزني طرفًا تقد به القلوب، كأنما خُلقت من ليل كله سحر، وسواد طرف ملؤه حور، ألذ من الظل للمحرور، وأحسن من اختلاط مسك وكافور، وكان سيدها قد أخذها بالتأديب، واقتنصها من البر اقتناص الظبي الربيب، واشتراها صغيرة من مولدات الصعيد، وحظي بها أنه سعيد، ولقيت أهل التعليم، وبقيت تفهم بالإيماء فهم التكليم، حتى كانت إذا نطقت أذابت صبر الجليد، وألانت قلب الجلمد والحديد.
ومن أصواتها المشهورة: [من الرمل]
يُدَلُّ الطَّرْفُ مِنَ النَّوم السَّهَرْ … حِيْنَ صَدَّ الظَّبْي عَنِّي وَهَجَرْ
رَشَا أَوْدَعَ قَلْبِي حَسْرَةٌ … وحَمَى عَيني من الدَّمْعِ النَّظَرْ
وله شعر شتيت بيته … وبعينيهِ مِنَ السَّقْمِ حَوَرْ
بأبي ذاك حبيبًا هاجِرًا … لم يَدَعْ في الحُبِّ عَنْهُ مُصْطَبَرْ
والشعر لابن الرومي (¬١) والغناء فيه مزموم الرمل.
وكذلك من أصواتها: [من الكامل]
بانَ الخَليطُ وفاتني برحيلِهِ … جودٌ إِذا ذُكِرَتْ لقلبِكَ يَشْغَفُ
تجلو بمسلوك الأراك منصبًا … عَذْبًا إذا ضحكت تهلَّلَ يَنْطِفُ
وكأَنَّ رِيْقَتَها على علل الكرى … عَسَلٌ يُصفّى في القلال وقَرْقَفُ
وإذا تنوء إلى القيام تَدَافَعَتْ … مِثْلَ النَّزِيْفِ تَنُوءُ ثُمَّتَ تضعف
والشعر لأعشى همدان (¬٢)، والغناء فيه في ثاني ثقيل.
ومنهم:
[١٨٧] صافية، جارية بدر أمير الجيوش (¬٣)
وكانت شمسًا لا تصلح إلا لبدر، وقلبًا لا يضم إلى كل صدر، ولا تطرف له عنها