وقال الكندي: سمعت يحيى بن خالد يقول: كان الفيض بن أبي صالح يعلّم الناس الكرم، وكان يحيى يهضم نفسه إذا ذكر الفيض بن أبي صالح، ويقول: كيف لو رأيتم الفيض بن أبي صالح (¬١).
قلت: كان يعلم بكرمه الخواطر المنى، ويحفّز بنعمه مواهب الغنى، آية متولد، وغاية مرجو، لا يكسب المال إلا لينفقه، ولا يجمعه إلا ليفرقه، ولا يستجد الثوب إلا ليهبه لا ليخلقه، لا بشكر عليه نعمه، وإن جلت، ولا يمتلئ له سماء خزائن إلا ألقت ما فيها وتخَلَّتْ، كرمًا خلق له طباعًا، وجودًا يدعه يبيتُ يطوي حشاه جوعًا، والناس شباعًا.
وفيه يقول أبو الأسد (¬٢) التميمي: [من الطويل]
وَلَائمةٍ لَامَتْكَ يَا فَيْضُ فِي النَّدَى … فَقُلْتُ لَهَا لَمْ يَقْدَحِ اللُّومُ فِي البَحْرِ
أَرَادُوا لِيَثْنُوا الفَيْضَ عَنْ عَادَةِ النَّدَى … وَمَنْ ذَا الَّذِي يَثْنِي السَّحَابَ عَنِ القَطْرِ
مَوَاقِعُ جُوْدِ الفَيْضِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ … مَوَاقِعُ مَاءِ الْمُزْنِ فِي البَلَدِ القَفْرِ
كَأَنَّ وُفُوْدَ الفَيْضِ حِيْنَ تَحَمَّلُوا … إِلَى الفَيْضِ أَوْفُوا عِنْدَهُ لَيْلَةَ القَدْرِ
وحكي أن الفيض بن صالح، وأحمد بن الجنيد، وجماعة من الكتاب والعمال خرجوا من دار الخليفة، فتقدم الفيض، وتلاه أحمد بن جنيد، فنضحت دابة الفيض على ثياب أحمد بن جنيد من الوحل، فقال أحمد للفيض: هذه والله دابة بغيضة، ولا أدري بأي حق وجب لك التقدم علينا؟ فلم يجبه الفيض عن ذلك بشيء، ووجه إليه عند مصيره إلى منزله بمائة، تخت في كل تخت قميص وسراويل، ودراعه، ومبطنة، وطيلسان، وعمامة، وشاشية، وقال لرسوله: أوْجَبَ لنا التقدم عليك أن لنا مثل هذا الوجه به إليك عوضًا بما أفسدناه من ثيابك.
وحكي أنَّ داود كاتب زبيدة حبس وكيلًا لها على مائتي ألف درهم تأخرت لها