القضاء الذي لا ينفع معه حَذرٌ، فَجَرَّ عليه البلاء سَخفه، وجَرى عليه حتفه، وأوقعه في مصيبة تردُّ صخورها عِظامه، ويحل مقدورها نِظامه، وزر للخليفة القائم بعد عَميد الرؤساء بسعي ذي السعادات، وزير الملك أبي كاليجار؛ لأنه كان سيّء الرأي، فسعى فَهْدُ الأمر سعيه حتى أبرمه.
وانتمى رئيس الرؤساء إلى السلطان طُغرلبك، وردت في شهر رمضان سنة أربع وأربعين وأربعمائة إلى الخليفة جوابًا عن رسالة الخليفة، وشكر إنعام الخليفة، عليه بالخِلع والألقاب، وأرسل طُغرلبك إلى الخليفة عشرين ألف دينار عينًا وأعلاقًا نفيسة من الجوهر، والثياب، والطيب، وغير ذلك وأرسل إلى الحاشية خمسة آلاف دينار، وألفي دينار لرئيس الرؤساء، فأنزل الخليفة الرسل بباب المراتب وأمرهم بإكرامهم.
وكانت سبب وحشة البساسيري من رئيس الرؤساء أنَّ قريش بن بدران كان قد سار إلى حِلل الباسيري، وكبس أصحابه، ونهب أمواله، وفتح السوق، وأسرف في إهلاك الناس.
ثم إن قريش بن بدران بعث صاحبيه أبا الغنائم وأبا سعيد المحليان إلى الخليفة القائم في رمضان سنة ثلاث وأربعين، فاستوحش البساسيري، وأراد أخذهم، فلم يمكن منهم، فبدت الوحشة والبغضاء بينهم، ونسب الأمر كله إلى رئيس الرؤساء، لأن القائم كان لا يخرج عن رأيه، ولا يورد ويصدر إلا به، فرأيت على هذا الأمر ما رأيت من خلع القائم، وإقامة الخطبة للمستنصر العبيدي، حتى آل الأمر إلى خروج القائم من بغداد، واستجارته، وتمادى الحال إلى سنة حتى عاد الأمر لطُغرلبك، ولما دالت الدولة للبساسيري، أمسك رئيس الرؤساء.