عليه من حق المجلس وشكره، ولكنه يهاب الفضل العزيز فيتجنّب، ويستصغر قدره عند قدره المعظم فيتأدب، ومَنْ يقدم على مقابلة الشمس بسراجِهِ؟ والعَذب بأجاجه؟ والدر بزجاجه؟ وأي قدر للقطرة عند البحر الخضمّ، وأيّ فَخْرٍ للسُّها عند إنارة البدر التم؟ وكلّما شرع في خدمة فنصب يده المهابة وبسطتها الصبابة، وجَلا لَهُ جلا لَهُ وجه الهيبة، فَرَجَع مما رجاه من سماحة خاطره بالظنة والخيبة، وقال لقريحته: دعي الاقتراح ولا تستدعي الافتضاح، وليس إلا الاعتراف بالقصور لا الافتراق للمحظور.
ومنه قوله:
على انه لم يبلغ مبلغ استفراغ جهد البلاغة في الدعاء، والثناء أمد المقصرين، وإن بد القرين، وزاحم الأسود، وَوَلجَ العرين، فالعجز عن الإدراك إدراك، والعجب في التوحيد بادعاء الحول والقوة إشراك.
ومما كتبه في فتح القدس (¬١):
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (¬٢)
الحمد لله الذي أنجز لعبادِهِ الصالحين وعد الاستخلاف، وقَهَر بأهل التوحيد أهل الشرك والخلاف (¬٣)، وله الحمد الذي حقق بفتحه ما كان في النفس، وبدل وحشة الكفر فيه من الاسلام بالأنس، وجَعَل عزّ يومِهِ ما حيًا ذُلَّ أَمْس، وأسكنه العالم والفقيه بعد بطرك وقس، وعبّاد الصليب والشمس (¬٤)، وأخرج أهل الجمعة منه أهل الأحد، وقمع مَنْ كان يقول بالتثليث اهل ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (¬٥)، وقد فتح الخادم (¬٦) بحمد الله من الداروم الى طرابلس، وجمع ما حوت مملكة الفرنج إلى