كالعذارى تميس في دبابيجها، كلا نظير، وماء نمير، وما زِلْتُ أروي هنالك بالرائبِ والميس (¬١)، حتى كاد كياني (¬٢) ينقلب إلى كيان التيس، ثم رحلنا وتذكرنا الطراد، فمشت الجياد، وتواثبت الآساد، حذرت (¬٣) تنظر من أمثال الدنانير، وتتخطف بأشباه المرهفة الذكور، فأرسلناها إرسال سهام الأحداق إلى قلوب العشاق، فلم نر إلا ريشًا محلوجًا، ومنسرًا يُحسن توديجًا (¬٤)، ووردنا ماءً في رقة النسيم، ولذاذة بنت الكروم، فشربنا وطعمنا، وقربنا سباع الفلاة، بما فضل عن الكماة ونقشت على قرقرة بيضاء ساعة وردنا ذلك الماء:
ياربُّ ماءٍ عازبٍ مَجْه … مَزْنُ هزيمِ الودْقِ في سَبْسَبِ
زبرجدٌ جلَّلَهُ مَكْنُه … غشاهُ ديباجٌ من الطُّحْلُبِ
إن كان فيما قد مضى موردًا … فللعِطَاشِ الأسدُ والأذؤبُ
باكرته مع كل ذي همّةٍ … لا يرتضي الأفلاك عن مركب
ولغط الطير بأرجائه … كلغط الصبيان (¬٥) في المكتب
فانقض من أيماننا كوكب … ذو ناظر أنور من كوكب
مكحل الآماق ذو منسر … يسترزق الرحمن من مخلب
فاستشعر الطير هروبًا وهل … عن نازل المقدور من مهرب
فصاد ما أوسع صحبي قرى … وفاض في الأبعد والأقرب
صيد لعمري لم يُعبه سوى … إن لم يكن نقلًا على مشرب
ثم لم نزل نسري سري النجوم في الدياجي، إذ تلقانا شاب، كما ذهب عقيق خديه، ونم شاربه بالتذكير عليه، متقلد حسام (¬٦) كأنما طبع من لحظه لا من لفظه، على جواد ظمآن الأسافل كخصريه، ريان المعالي (¬٧) كردفيه، تستعيذ عيون البررة من النظر إليه، وتزدحم أطماع الفجرة حواليه:
ذو مقلةٍ شهلاء روميّةٍ … وذو لسان عربي مبين
قلت وقد عيب بتثليثها … مقال ذي رأي وعقل رصين