ابن أيمن كان بمنزلة الرقيب من الحبيب (¬١)، لا يحظى بشر بنواله ولا يطمع أحد معه في وصاله، ولما احتل الوزير أبو المطرف بن الدباغ حضرة بطليوس، خاف ابن أيمن أن يمحو سناه، ويستولي على مداه، فاشتعلت بينهما نار ملأ الأفق شعاعها، وأخذ بعنان السماء ارتفاعها.
ومن نثره قوله:
لما وضحت في الصَّلاح معالمك، ووقفت على الجهاد عزائمك، وجب أن تستدعى لما أعضل الداء، وتُستغاث فيما أحاط بالجزيرة من البلاء، فقد كانت الأعداء تلاطف بالاحتيال، وتستنزل بالأموال، ويخرجه بها عن كلّ ذخيرة، وتسترضى بكل خطيرة، حتى استصفى الطريف والتلاد، وأتى على الظاهر والباطن (النفاد) (¬٢) وأيقنوا الآن بضعف المنن، وقويت أطماعهم في افتتاح المدن، واضطرمت في كل ناحية نارهم، ورويت من دماء المسلمين أسنَتُهم وشِفَارُهُم، ومن أخطأه القتل منهم، فإنما هم بأيديهم أسرى وسبايا، يمتحنونهم بأنواع المحن والبلايا، وقد هموا بما أردوه من التوتب وأشرفوا على ما أقلّوه من التغلب، في الله وياللمسلمين!! أيسطو هكذا بالحق الأفك، ويغلب التوحيد الشرك، ويظهر على الإيمان الكفر، ولا يكتنف هذه الملة النصر؟! ألا ناصر لهذا الدين المهتضم (¬٣)، ولا حامي لما استبيح من حمى الحرم؟ وإنا لله على ما لحق عرشه من ثل، وعزّ من ذلّ، فإنها الرزية التي ليس فيها عزاء، والبلية التي ليس مثلها بلاء.
ومن قبل هذا ما كنت خاطبتك - أيدك الله - بالنازلة في مدينة قورية (¬٤) - أعادها الله - وإنها مؤذنة الجزيرة بالخلاء، ومن فيها من المسلمين بالجلاء، ثم ما زال ذلك التخاذل يتزايد، والتدابر يتساند، حتى تخلّصت القضية، وتعجلت البلية، وحصلت في يد العدوّ - قصمه الله - مدينة سرته (¬٥)، وعليها قلعة تجاوزت حد القلاع، في الحصانة