وشقوا في جنباتها الأنهار، وطرّزوا جنّاتها بالأشجار، ورقموا في وجناتها بالاس خدّ الجلنار، ونقلوا إليها غرائب النصوب والغراس، وشيدوها بشوامخ الأبنية والقصور، واتخذوها دار خلافة وقاعدة ملك، فتمادت العوام وتوالت الأيام، وهم على الاهتمام بتأنيقها ورستقة رساتيقها، ومدّ أعمالها، وصلاح أمورها، وإنارة العلم والحكمة من معادنها حتى ضاهت الشام رونقًا وحسنًا، وحاكت خصور أنهارها فزادت في دقة المعنى.
مدينة طليطلة (¬١): هي مركز جميع الأندلس؛ لأن منها إلى كل قطر من اقطار الجزيرة تسعة أيام، وكانت في أيام الروم مدينة الملك، وبها وجدت مائدة (¬٢) سليمان ابن داود ﵉ فيما وُجِد بها من ذخائر يطول ذكرها، ويطوف كالبرق ياقوتها، وكالقطر درها، وهي في جانب جبل الشارات وقاعدة ملكها الاسلامية إلا ان مدينة غرناطة ومجموع جزيرة الأندلس شكل مثلث وحدودها الجامعة لها بأسرها: من الجنوب البحر الشامي، ومن الغرب البحر المظلم من المحيط، ومن الشمال البحر المحيط، وهي خرجَةٌ منه ذات جزر تسمّى بحر الأنقليشين، ويبقى برها إلى البر الكبير متصلًا به إلى آخر المعمورة، لا يقطع بينهما بحر ولا يحجز حاجز، وطولها من كنيسة الغراب إلى هيكل الزهرة الف ميل ومائة، وعرضها من شنت ياقوت الذي على أنف بحر الأنقليشين إلى المرية ست مائة ميل، وتقسم الأندلس في وسطه بالطول جبل الشارات، ونحن نذكر أقاليم الأندلس كلها جمليًا ثم يأتي تفصيل ما يليق تفصيله، كل شيء في مكانه.
فأولها: إقليم البحيرة (¬٣)، ومبدؤه من البحر المظلم مارًا مع البحر الشامي وفيه من البلاد جزيرة طريف (¬٤) والجزيرة الخضراء (¬٥) وجزيرة قادس (¬٦) وحصن أركش (¬٧)