بِالصَّبْرِ لَو أَصَابَهُ. فدَاوَتْ نَسِيْمُهُ وَصِبَا، وهَبَّتْ جَنُوبًا وَصَبَا. وسَكَنَ البَطَائِح، وسَكَب في رَواقها الأَحْمَدِيّ دَمْ كُلِّ دَمْع طَائِح. وعُنِي بشِعْرِهِ بَيْنَ يَدَيْ شَيْخِ الطَّائِفَة أَحْمَدُ بن الرّفاعي، قَدَّسَ اللهُ رُوحه، فَطَابَ به هو والفقراء، فعادت عليه بركاتُهم، وسَرَتْ فيه حَرَكاتهم، وحصلت له حظوة نَهْنَهَتْهُ في العراق، ورفعت رأسه من الإطراق، فلم يخل مجلس رئيس من منشد لشعره أو مستنشد، ومُتهم به أو مُنْجِد.
واتَّخذت ديوانه الوعاظ موضع إنشادهم، ومكان استشهادهم. فذهب بالقلوب، ونهب الألباب، بِلَفْظِهِ الخَلُوب، لِلطافة مأخذه، وقُربِ وصوله إلى القلب ومنفذه: حتَّى أنَّ الكلمة كانت تُختَطَف من فمه، وتُقتَطَفُ قبل أن يثمر بها أَفنانُ قَلمِه. فلا تُنشد له قصيدة إلا تَنَاهَبَ إِنشادها من حَضَر، وتواثَبَ إليها كل منهم وابتدر. فقل أن تميز مُنشد له بإنشاد، أو برز منفردًا بإيراد، لمسابقة الحضور له إلى أبياتها، مسارعة الجميع له إلى غاياتها، لسرعة انتشارها، وسعةِ اشتهارها، فجاء كله حلوًا رقيقًا، وصفوًا رحيقًا.
ومن مختاره المختال، وشجاره المعتال، قوله (¬١): [من المتقارب]
دَعُوهُ فقد قيل إن الغرام … جنون وما كَذَبَ القائل
ولا تَسَلُوا حاضرًا غائبًا … كفى مُخبرًا دَمْعُهُ السائل
قفَا بي ولو ساعة في العقيق … لنبكي على النَّاحِلِ النَّاحِلِ
يحاول من دمعه ناصرًا … على البين والناصر الخاذل
وقوله (¬٢): [من الطويل]
أَلَمْ تَسْأَمُوا عذلي، دَعُونِي والبُكَا … إلى مَ على فيض الدموعِ أَلام
أسُكَانَ نَجد أينَ أيَّامُ رامةٍ … إذ الورد من ماء الوصال جمام
صحا كل ذي سُكر بكم غير شارب … له النَّجمُ خِدْنٌ والدُّموعُ مُدام
سلوا غير طرفي إن سألتم عن الكَرَى … فما لجفون العاشقين منام