وخاسي فضله لهم قد زجر. فلما لم يومئ إليهم بطرف، ولا نطق بحرف، هموا بمناجاته، فعالجهم بمفاجأته، حين أعورت عينه قذاتهم، وأعولت عنده أذاتهم، وقال: لقد جهلتم غُررَ المصاع، وكِلْتُم زُمَرَ الناس كلهم بصاع، ولو اختبرتم القد على المحك، لبان الشك. فتنوعوا حينئذ في الاقتراح، وكدوا خاطره فاستراح.
فقال أحدهم: صف فوّارة. فقال (¬١): [من الطويل]
سَمَتْ فأعادت في السماء مياهها … وزادت فأجرت من مجرتها نهرا
وقال الآخر: صف كلبًا أحمر، فقال (¬٢): [من البسيط]
وثقت بالصيد لما أن ركبت له … بمستطيل على وحش الفلا ضاري
بأحمر اللون خفَّت روحُهُ فَلَهُ … روح من الريح في جسم من النَّارِ
وقال الآخر: قُلْ في غلام طويل الشعر. فقال (¬٣): [من الكامل]
قال الحبيب وقد رآني خائفًا … إذ زارني من أعين النظار
أرسلت شعري حين جئتُك زائرًا … خلفي فَعَفى عنهم آثاري
وقال الآخر: صف روضًا به النسيم. فقال (¬٤): [من الكامل]
روض تحلَّى بالنبات فما له … ولحسنِهِ إلا السَّماءُ نظير
والزهر مثل الزهر تحسب أنها … فيه إذا هب النسيم تسير
وقال الآخر: صف حديقةً قد اهتز دوحها، وابتز عَرْفُ الجنان روحها، واخضل فيها نبت النعماء، ورفت بنت الروض على ابن ماء السماء. وبينها نهر صفا ضميرًا، وغدا لأطفال النبات ضيرًا. فقال (¬٥): [من مجزوء الكامل]
وحديقةٍ مالت معا … طف دوحها من غيرِ سُكْرِ
والنهر ساع قد غدا … بسعادة الأغصان يجري
وقال الآخر: إني كلف بفتى دقيق الخصر، لم يحو مثله القصر. فقل فيه. فقال (¬٦): [من السريع]
قد أظهر المحبوبُ أُعجوبةً … حارَ بها العاشق في أمرِهِ
ضاق على خنصره خاتم … فردَّهُ يقلق في خصره
وحكي أنه مرَّ مرَّةً بدار كان يعهدها معاهد ظباء، ومواعد حباء. فرآها مقفرة