صَبٌّ لَهُ مُدَمَّعُ صَبٌّ يَكْفُكِفُهُ … فتَستَهِلُّ غَواديهِ وتَنسَجِمُ
أرادَ إخفاءَ ما يَلقاهُ من أَلَمٍ … حَتَّى لَقَدْ كانَ بالسَّلوَانِ يَتَّهَمُ
ومنهم:
[٢٤٧] علي بن المظفر الكندي الوداعي (¬١)
شاعر له لسان لا ينبو له ضرب، ولا تخبو له نار حرب. أولع من النار بتخليد الفساد، ومن النار بتخليف الرماد، أفنى أعراق الأعراض قرضًا، وأنهك عظام العظام رضًا. وتتبع المساوئ ودوَّنها، والمخازي وسطر أدوَنها. وخلَّد القبائح وكتب، وأظهر الفضائح وكذب. وولع بالكبراء ولع الخمر بالعقول، وعبث بالأمراء وكان لا يبقى فيما يقول. وكان ممن غالب صباه على تأديب نفسه فتأدب، ثم ما تأدب، وصفا منهله ثم تطحلب؛ لأنه أشغله بإفشاء المعايب، وإنشاء المثالب. وكتب أول حاله للصاحب عز الدين بن وداعة، ثم كان ينقل في الوظائف التي بها ينتفع، إلا أنه لا يرتفع، ثم استكتب بالبيرة، ثم بديوان الإنشاء بدمشق. بعد عطلة ضاق بها عطنا، وضاع فيها فهمه فحار لا يهتدي، ولا يأنس فطنا، فما صدر عنه ما يثبت، ولا ظهر ما يكتب له إلا ما يكبت. فما عدم من عزاء القديم امتهانًا، ولا خلد له بالديوان إلا أنه خلد فيه مهانًا.
وكان ممن لا يؤخر في رجال الحديث، والقراءة علو رواية، وعلوم دراية، وتعاليق فيها بخطه، وكان غاية. وقرأت عليه بعض كتب الأدب، أول ما عُقَّت عني التمائم، وليثت على رأسي العمائم. وكان سريع الإفهام، سرى القدح في زناد الأفهام. وله تذكرة جمعها عدة أجزاء، وديوان شعر، أول ما بدأه بأعراض أصحابه الأعزاء، مع ما فيهما من محاسن أُخر، ومعادن درر. ووقفهما ببعض الجهات، وملأهما حرامًا وحلالًا، وبينهما