فأتى كَفَجْرِ الصيف باعدَهُ … غِلَظُ الهواء وتُدرَةُ الأُفُقِ
حتى اعتلت أنوارُهُ وجَنَتْ … كفُّ الغَزَالَةِ وَرْدَةَ الشَّفَقِ
فطرب أشد طرب، ودفع الفرس إليه».
قلت: وهيهات - والله - إنه ما أنصفه؛ لئن أطربته هذه الأبيات، فإنها تطرب الجماد، ولئن وهبه الفرس، فإنّ مثله من يملك الجواد، وإنه لو أنصف … . حزام الفرس مالًا لمنعمه، ولا يوفي حقه، ولو زيد أمثالًا، ولكنّه حظ الفاضل، وهيهات من يعرف الأفاضل.
ومنهم:
[٢٨٦] أبو بكر الوراق
وهو عتيق بن محمد التميمي (¬١).
عتيق هو المدام، وعريق في نسب الكلام، سُنّيٌّ شديد، وسني فوق النجم يريد، ماهر في الصناعة وقاهر. انقاد له الأدب وأطاعه، وظاهر عليه أثر الفصل بالسنة والتفضيل على الجماعة.
قال ابن رشيق فيه (¬٢): «شاعر مطبوع، يكره عويص الكلام ويجتنبه، وينحو نحو الصنوبري مذهبه، غير أن بينهما بونًا بعيدًا في ركوب القوافي الشُّرَّد أحيانًا، ولا تكاد تخلو له قصيدة من بديع يتقدم به أصحابه، فمن ذلك قوله من قصيدة في قتل الرافضة (¬٣): [من الطويل]
أَخَذْنَا لأَهلِ الغَدْرِ منهم إغارة … عليهم فما أبقت ولا السيف ما أبقى
وقام لأم المؤمنين بحقّها … بنوها فما أبقوا لها عندَهمْ حَقا
وقوله في وصف شاذروان (¬٤): [من البسيط]
كأَنَّهُ فَلَكٌ غُصَّتْ كواكبُهُ … وجْهُ المُعزّ المُعلَّى بينَها قَمَرُ