أخذ إلا عنهم، وكان مذ تفتقت عنه كمامته وليث عليه عمامته، وخط مسك الشباب عارضه، وأطاع جامح الصبا رائضه، شرارة سناء، ونواره غناء، أضاء جناح الدجى فرقدة، ورفع اسمه الربى موقده، حتى كان لو باراه البدر التمام لما قيل إلا أنه ناقص، أو قاحمه الأسد، لما قال إلا وهو على عقبه ناكص، إقدامًا على الأدب أخذ بأعناقه، وأمسك بآفاقه، وكان على إضاعته ليقينه، ووضاعته في دينه، ومحافظته على ملته القديمة، ونسخ شريعتها، وضيق سريطتها، له مكان من الصدور، وإمكان لا تزاحمه الصخور، لفضله الذي اشتهر، وفعله الذي بهر. ولقد مدح وهو على اليهودية الجناب الشريف النبوي المحمدي - زاده الله شرفًا - بقصيدة لم تدع مسمعًا، ولم تدع مدمعًا، وسأذكر بعضها لغرابتها، وعلو رايتها على عرابتها؛ ولأنها من الدر الذي يُخزن، والذهب الذي لا يسمح به أن يُوزن، هذا مع عجائب وقوعها عن مثله قبل إجابته، ورجوع بصره، وإنابته، وهي (¬١): [من الطويل]
وَرَكِبَ دَعْتُهُمُ نَحْوَ طَيْبَةِ نِيَّةٍ … فَمَا وُجِدَتْ إِلَّا مُطِيعًا وَسَامِعَا
يُسَابِقُ وَخْدُ العِيسِ مَاءً شُؤُونُهُمْ … فَيَقْفُونَ بِالْبَرْقِ المَدَى وَالمَدَامِعَا
إِذَا انْعَطَفُوا أو رَجَّعُوا الذِّكْرَ خِلْتَهُمْ … غُصُونًا لِدَانَا أَوْ حَمَامًا سَوَاجِعَا
تُضِيءُ مِنَ التَّقْوَى خَبَايَا صُدُورِهِمْ … وَقَدْ لَبِسُوا اللَّيْلَ البَهِيمَ مَدَارِعَا
تَكَادُ مُنَاجَاةُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ … تَنُمُّ بِهِمْ مِسْكًا عَلَى الشَّمِّ ذَائِعَا
تَلَاقَى عَلَى وِرْدِ اليَقِينِ قُلُوبُهُمْ … حَوَافِقُ يذْكُرْنَ القَطَا وَالمَشَارِعَا