أحدها: انه قال له ذلك في غزوة تبوك.
وكان النبي ﷺ كلما سافر في غزوة أو عمرة أو حج يستخلف على المدينة بعض الصحابة كما استخلف على المدينة في غزوة ذي أمر، عثمان بن عفان، وفي غزوة بني قينقاع بشر بن المنذر؛ ولما غزا قريشًا استعمل ابن أم مكتوم.
وبالجملة فمن المعلوم أنه ما كان يخرج من المدينة حتى يستخلف، وقد ذكر المؤرخون من كان يستخلف في مغازيه كلها. وكان يكون رجال كثيرون يستخلف عليهم من يستخلفه؛ فلما كان غزوة تبوك لم يأذن لأحد في التخلف عليها وهي آخر مغازيه ﷺ فلم يتخلف عنه إلا النساء والصبيان أو من هو معذور لعجزه عن الخروج، أو من هو منافق، وتخلف الثلاثة الذين ثبت عليهم. وكان هذا الاستخلاف أضعف عليهم؛ من الاستخلافات المعتادة منه ﷺ بالنسبة إلى من استخلفه عليهم لأنه لم يبق بالمدينة إلا القليل، فلهذا خرج إليه علي يبكي ويقول: أتخلفني مع النساء والصبيان فبين له النبي ﷺ أني إنما استخلفك لأمانتك عندي، وأن الاستخلاف ليس بنقص فإن موسى استخلف هارون على قومه فكيف يكون نقصًا وموسى يفعله بهارون فطيب بذلك قلب علي ﵁.
الثاني: إنَّ قول القائل هذا بمنزلة هذا، وهذا بمنزلة هذا، هو كتشبيه الشيء بالشيء، وتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب مادل عليه السياق لا يقتضي المساواة في كل شيء، ألا ترى ما ثبت في الصحيحين من قول النبي ﷺ في حديث الأسرى لما استشار أبا بكر وعمر، فأشار أبو بكر بالفداء، وأشار عمر بالقتل، فمثل النبي ﷺ أبا بكر بإبراهيم وعيسى، ومثل عمر بنوح وموسى، فقوله: هذا مثل إبراهيم وعيسى، وهذا مثل نوح وموسى أعظم من قوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى فإن إبراهيم وموسى ونوح وعيسى أفضل من هارون، وقد جعل هذين مثلهم، ولم يرد أنهما مثلهم في كل شيء، لكن فيما دل عليه السياق في الشدة في الله، واللين في الله. والدليل