وأول ما ابتدئ به ﷺ الرؤيا الصادقة، لا يرى في نومه رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح.
وحبب الله إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده.
وكان لا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يارسول الله، فيلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى إلا الحجارة والشجر.
ثم جاءه جبريل ﷺ وهو بحراء (¬١) في رمضان. قال رسول الله ﷺ: فجاءني وأنا نائم، بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ، قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتني (¬٢) به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: إقرأ - ثلاث مرات كذلك - ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود إلي بمثل ما صنع، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ (¬٣). قال: فقرأتها، ثم انتهى فانصرف عني وهبت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتابا (¬٤).
قال: فخرجت حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل. قال: فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء، يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل، فرفعت رأسي أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في أفق السماء فلا أنظر [في] ناحية [منها] إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغو (أعلى) مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مضيفا إليها، فقالت: يا أبا القاسم، أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إلي، ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت: أبشر يا ابن عم، وأثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجوا أن تكون نبي هذه الأمة.