قارت ثوائرها في كلّ قطر، وطارت بواترها في خلل السيوف البتر، كان جهد المنصور أن يرقع خروقه، ويخيط بإبر الرماح فتوقه، ولم تُعدّ همته قدر الاستصلاح، ولم تفل عزمته على الدفع بالراح، وكان أقصى اجتهاده أن يذود عن حوضه الغرائب، ويذوب خوفًا مَنْ يخرج من بين الصلب والترائب، إشفاقًا على ملكه من تجاذب الأطراف، وتجابذ الأطراف، خشية أن يُنتزع، وحذرًا من قاصد بسيفه أن يزع.
قال ابن سعيد وهذا المنصور مشبه بالمنصور، لأن كلًا منهما اختلت عليه الدولة، وأصْفَقَتْ عليه الحروب، و (كاد) (¬١) يُسَلّ من الخلافة، فهبت له ريح النصر، وتراجع له أمره حتى لم يبق مخالف.
وحين (أراد) (¬٢) بنيه ختانًا لم تسم همة ملك إليه (¬٣). أمر بأن يكتب له أولاد قواده وأجناده وسائر رجاله وعبيده وأهل بلاده، كساهم، وكانوا زهاء مائة ألف، ثم فرق فيهم أموالًا جزيلة، وبدأ بالختان لست بقين من ذي الحجة سنة أربعين وثلثمائة، ودام إلى سابع المحرم من السنة المقبلة، والجرد تنحر، وسائر الذبائح والولائم تعمل، ويقال أنه انفق نحو ألف ألف دينار في هذه الأيام. ولم يُرَ كصبره يوم القيروان وهو يقاتل أبا يزيد النكاري (¬٤)، وقد ذكر حسن موقف شاعره محمد بن الحارث (¬٥) فقال: [من الطويل]
ولم أر كالمنصور بالله ناصرًا … لدين وأحمى منه ملكًا وأمنعا
ألم تَرَ يوم القيروان وقوفه … وقد كادت الأكباد أن تتقطعا
وأبرز عن وجه من الصبر أبيضٍ … يقابل وجها للكريهة أسفعا