يتخلّص من قبضته نازغ، ولا قصده إلا من عاد بقلب ملآن فارغ، ودام الملك في بنيه تتوارثه، وينتقل إليهم عنه موارثه، وها هم إلى اليوم، في بقايا نعمه التي أحرزها، وذخائره، وهي الخلافة التي في بيته كنزها، وهو داهية القوم، وقلبته الأحوال أكثر من كل بني أبيه، واضطر في دولة بني أمية إلى أنه قصد شيعتهم بالعراق فمر في طريقه بقصر خالد بن عبد الله القسري (¬١)، فلما رآه خالد ولم يكن يعرفه طالبه وسأله عن نَسَبِهِ وأين يريد، فأخفى نَسَبَهُ وقال: اني أريد العراق لدين علي، وحقوق لزمتني، فأمر له بمال جليل وأعاده، فراعاه له أبو جعفر، فلما أفْضَتْ إليه الخلافة فرد على آل جعفر (¬٢) نعمتهم.
وألجأته الضرورة إلى أنه تزوج امرأة من الأزد وأكرى نفسه مع الملاحين يمد في الحبل، وأولد تلك الامرأة ولدًاكتب في دولة أبي جعفر عند أبي أيوب المورياني (¬٣) وهو لا يدري ولا الصبي أنه ابن أبي جعفر، فرآه أبو جعفر فهفت إليه نوازعُه، فسأله عن أبيه، فقال: رجل شريف تزوج بأمي، فسأله عن أُمِّه وأهله ومكانه، فعرفه، وعرفه أنه ابنه، ثم أمره بحمل أمه وأهْلَهُ إليه، فلما سافر لهذا بعث أبو أيوب مَنْ تتبعه وقتله غيلةً خوفًا منه لما كان اطلع عليه من معايبه.
وأمسك أبو جعفر المنصور في آخر سلطان بني أمية بسبب مال (¬٤)، وضربه عامل البصرة بالسياط، وكان أبو أيوب المورياني يكتب لعامل البصرة، فقام وأكب على أبي جعفر وخَلَّصَهُ، وكان أبو جعفر يرعى له هذا الود، ثم كان منه ما كان إليه على