هبيرة (¬١)، بوزير لا يصادمه شيئان، رأيه وصارِمُهُ، وشتان مواصله ومُصارِمُه، ما قرر مثله أبو مسلم في خراسان، ولا فَعَل نظيره في الأندلس عبد الرحمن، ولا قام مثله في أوّل الدولة فتى شيبان، ولا في مملكة الفرس رستم بن دستان، ولا سلك إلا سبيل آصف مع سليمان، فكان نعم العون في منع الصون، فقد كان يجهد ولا يعيا، ويُميت الأعداء وهو يحيى، فَسَتَر عوار المقتفي، وواراه، وقدح زناد سعادته وأوراه، حتى وطيء ملوك آل سلجوق، ووطد ملوك الدول ودوخها، ومحا بصباح رأيه آية ليلها وَنَسَخَها، فأعاد إلى رؤوس الدولة العباسية نَحْوَتَها، وأعَزَّها شيمًا، وبقية قريش احوتها (¬٢)، ثم مات المقتفي، وقام بعده ابنه أبو عبد الله محمد، وتلقب بالمأمون، فما تمت بيعته (¬٣)، ولا سالمته المنون، عاش بعده نحو شهر وما كمله، ولا تم له منذ ذكر ما أمله، بل لم يزل الحبل محمولًا (¬٤) على غاربه، وطرفه بيده والطرف الآخر بيد جاذبه، حتى بويع أخوه المستنجد، ودفع الأمر إلى المنجد.
قال ابن الأنباري: ولما كان يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة سنة ثلاثين وخمسمائة، مضينا مع الوزير ابن طراد الزينبي إلى دار السلطان مسعود بن محمد ونحن معه، فأخَذَ السلطان خطوطنا بالضمان، ثم أصبحنا فحضرنا عند الأمير أبي عبد الله محمد بن المستظهر وشرطنا عليه مطاوعة السلطان على ما ضمناه عليه، فرضي به، ثم مضينا إلى السلطان فأعلمناه بما كان، فأمر بمبايعته، فلما كان من الغد صعدنا إلى الدار فأخرجنا منها اشياء لآلات الغناء وما لا يليق، وشهد جماعة من أهل الدار أن الراشد كان يشرب الخمر، فأفتى الفقهاء بخلْعِه، وحكم القضاة بذلك فخلعوه، ودخلتُ إلى الأمير أبي عبد الله محمد أنا والوزير وصاحب المخزن، وتحدثنا معه، وناولته رقعةً فيها ما يلقب به، فكان فيها المقتفي لأمر الله، والمستضيء بنور الله، والمستجير بالله، فقال الخليفة: ذلك إليكم، ثم قال لي