بطلان ما كان يخيّل له من خُرافات تلك المخاريق، وضلالات ما خرج به عن الطريق، فترك سوء ذلك التشيع، وتقلل من التكثر في التروي بها والتشبع، ثم ما كان إلا مُتَسنّنًا، وفي مذاهب أهله المذهبة متفننًا.
ومات ولده علي (¬١) وَوَجَدَ عليه وجدًا كاد يذهب بخلبه (¬٢)، وينتزع من صدره سويداء قلبه، وأعاد الظاهر إلى ولاية عهده، وقدم من صهوة المنبر ما لا يصلح إلا للبده.
بويع يوم موته، ونثرت الدنانير والدراهم يوم بيعته (¬٣)، ومدحه الشعراء فممن أجاد ابن التعاويذي بقوله: [من الخفيف]
ورأى الغانيات شيبي فأعْرَ … ضَنْ وقُلْنَ الشباب خير لباس
كيف لا يفضل السواد وقد أضحى … شعارًا على بني العباس
أمناءُ الله الكرام وأهل الجود … والعلم والتقى والبأس
ولقد رتبت الخلافة منهم … بإمام الهدى أبي العباس
ملك جلَّ قدسُهُ عن مثالٍ … وتعالت آلاؤها عن قياس
يالها بيعة أجدت من الإسـ … ـلام بالي رسومه الأدراس
وإلى الله أمرها فَلَهُ المنَّةُ … فيها عليه لا للناس
ثم أَخَذَ أمره بالحزم، إلا أنه كان له اختلاط بالعوام، لبس الفتوة من عبد الجبار (¬٤) مقدم الفتيان، وله رفاق، وكان متدينًا صالحًا وبني له صومعة بباب كلواذى (¬٥)، ومضى قاصدًا الحج فَدَرَجَ (¬٦)، ودفن بالمعلا (¬٧)، ورمى الناصر البندق،