سبيل أبيه، ثم استحجب ابنه المظفر عبد الملك بن محمد بن عامر فسلك سبيل أبيه، ثم استحجب أخاه عبد الرحمن، وكان ثالثهما، وغزا أسابية (¬١)، وأَوْغَلَ في بلاد الجلاهقة. فحمل يقدم على لقائه وتحصن منه في رؤوس الجبال ولم يقدر عبد الرحمن على اتباعه لزيادة الأنهار وكثرة الثلوج، فأثخَنَ في البلاد التي وطئها، وخرج موفورًا، فبلغه في طريقه ظهور محمد (¬٢) بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر بن عبد الرحمن بقرطبة، وأخذه المؤيد اسيرًا، ففرق عنه عسكره. ولم يبق إلا في خاصته فسار إلى قرطبة ليلًا في ذلك الخطب، فخرج عسكر محمد بن هشام فقتلوه وحملوا رأسه إلى قرطبة، وطافوا به ثم صلبوه، وكان ظهور محمد بن هشام بن عبد الجبار ومعه اثنا عشر رجلًا، فبايعه الناس وتلقب بالمهدي، وملك قرطبة، وأخذ المؤيد وتركه في محبسه حيث لا جليس له سوى رجع نفسه، وقام هذا محمد بن هشام بن عبد الجبار بالأمر ستة عشر شهرًا برز بها سرير الملك قهرًا ونجسه لولم تجد له بماء الماضيات طهرًا.
حكى ابن الأثير (¬٣) إن محمد بن (¬٤) بن هشام بن عبد الجبار أَخَذَ المؤيد وحبسه معه في القصر، ثم أخرجه وأخفاه، وأظهر أنه مات، وقد كان مات إنسان نصراني يشبه المؤيد فأبرزه للناس في شعبان وذكر لهم أنَّه المؤيد، فلم يشكوا في موته، وصلوا عليه ودفنوه في مقابر المسلمين، ثم أنه أظْهَرَهُ على ما نذكره، وأكذب نفسه. وكانت مدة المؤيد هذه إلى أن حبس ثلاثًا وثلاثين سنة وأربعة أشهر.