وقد قدمنا التنبيه: على أن رعايا هذه المملكة وقرارية أهلها من قدماء الإسلام السابقين إليه. وكانوا مع كفرهم ملوكهم في جانب لا تتطرف إليهم أذية في دين ولا حال ولا مال؛ فلما آل الملك إلى ترماشيرين (¬١) - كما ذكرنا - دان للإسلام وأظهره في بلاده، ونشره في خافقي ملكه، واتبع الأحكام الشرعية، واقتدى بها، وأكرم التجار الواردين عليه من كل صوب. وكانت قبله الطرقات لا تفتح لتجار مصر والشام إليها، ولا يهم مضطرب في الأرض منهم بالمرور عليها؛ فلما ملك ترماشيرين كثر قصد التجار له، وعادوا شاكرين منه حتى صارت بلاده لهم طريقًا قاصدًا ومنهجًا مسلوكًا.
حدثني الصدر بدر الدين حسن الأسعردي: كان ترماشيرين يعامل به التجار والواردين عليه من الإكرام ومزيد الإحسان، وأخذ قلوبهم بكل إمكان.
قال صاحب كتاب صفة أشكال الأرض ومقدارها (¬٢): «ما وراء النهر من أخصب الأقاليم منزلة وأنزهها وأكثرها خيرًا، وأهلها يرجعون إلى رغبة في الخير، واستجابة لمن دعاهم إليه مع قلة غائلة، وسلامة ناجية، وسماحة بما ملكت أيديهم مع شدة شوكة ومنعة وبأس ونجدة وعدة وعدة وآلة وكراع وبسالة وعلم وصلاح. فأما الخصب [بها] فليس من إقليم إلا يقحط أهله مرارًا قبل أن يقحط ما وراء النهر مرة واحدة، ثم إن أصيبوا ببرد أو بحر أو بآفة تأتي على زروعهم وغلاتهم ففي فضل ما يسلم في عروض بلادهم ما يقوم بأودهم، حتى يستغنوا به عن شيء ينقل إليهم من غير بلدهم، وليس بما وراء النهر مكان يخلو من مدن أو قرى ومراع لسوائمهم (¬٣)، وليس شيء لا بُدَّ للناس [منه] إلا وعندهم منه ما يقيم به أودهم، ويفضل عنهم لغيرهم؛ فأما طعامهم في السَّعة والكثرة فعلى ما ذكرناه.