أهل القصر فلم يجدوه، فقال: أنتم قد قتلتموه، وأحضر أخوين للظافر يقال لهما: يوسف وجبريل، وقتلهما عباس المذكور أيضًا، ثم أحضر الفائز (¬١) بنصر الله أبا القاسم عيسى بن الظافر إسماعيل ثاني يوم قتل أبيه وله من العمر خمس سنين، فحمله عباس على كتفه وأجلسه على سرير الملك وبايعه الناس وأخذ عباس من القصر الأموال والجواهر النفيسة شيئًا كثيرًا، ولما فعل عباس ذلك اختلفت عليه الكلمة، وثار عليه الجند، وكان طلائع (¬٢) بن رزيك في منية أبي الخصيب (¬٣)، واليًا عليها.
فأرسل إليه أهل القصر من النساء والخدم يستغيثون به، وكان فيه شهامة، فجمع جمعه وقصد عباسًا، فهرب عباس ومن معه إلى الشام بالأموال والتحف التي لا يوجد مثلها، ولما كان عباس في أثناء الطريق خرجت عليه الفرنج فقتلوه، وأخذوا ما كان معه، وأسروا ابنه نصرًا، وكان قد استقر طلائع ابن رزيك بعد هروب عباس في الوزارة، ولقب الملك الصالح، فأرسل إلى الفرنج وبذل لهم أموالًا، وأخذ نصر بن عباس، وأحضر إلى مصر، فقتل وصلب على باب زويلة وأما أسامة (¬٤) بن منقذ، فإنه كان مع عباس، فلما قتل عباس هرب أسامة ونجا إلى الشام، ولما استقر أمر الصالح بن رزيك وقع في الأعيان بالديار المصرية وأبادهم بالقتل والهرب إلى البلاد البعيدة.
وفيها: سار (¬٥) المقتفي لأمر الله بعساكر بغداد، وحصر تكريت، وأقام عليها عدة مناجيق، ثم رحل عنها ولم يظفر بها.
«ذكر ملك نور الدين محمود دمشق» (¬٦):
كان الفرنج قد تغلبوا بتلك الناحية بعد ملكهم عسقلان حتى أنهم استعرضوا كل