لهم - ثم تلا النَّبِيُّ ﷺ هذه الآية: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]، وتلا هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠]- استئذان الملائكة عليه، فلا تدخل عليه إلا بإذن، فالأنهار تطَّرِدُ من تحت مساكنها، والثّمارُ مُذَلَّلَةٌ - وفي رواية: «مُتدَلِّية عليه» - إن شاء يتناولها بيمينه قاعدًا، وإن شاء يتناوَلُها مُتكئًا، و ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] صاف، ليس فيه كدر ولا أسَنٌ، ولا يتغيَّرُ كماء أهلِ الدُّنيا، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ﴾ [محمد: ١٥] لم يخرج مِنَ الفَرْثِ والدَّم، ولا مِنْ ضُروع الماشية، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] لم تطأها (¬١) الرِّجالُ بأَرْجُلِها، ولا تُصَدِّعُ رؤوسهم، ولا تَغْلِبُهم على عقولهم، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] مِنْ مُومِ العَسَلِ (¬٢)، لم يخرُجْ مِنْ بطون النَّحْل.
فبينا هو كذلك: مرَّةً يَتنعَمُ مع زوجته، ومرَّةً يُؤْتَى بغذائه، ومرَّةً يُسْتَأْذَنُ عليه، ومرَّةً يُؤْتَى بشَرابِه، ومرَّةً يزور الإخوان في الله ﷾ فبينا هو كذلك إذا نور قد غشِيَه، فقال لِقَهارِمَتِه: ما هذا النُّور الذي قد غَشِي بصري؟! لعل الجبار جل وجلاله اطلع إليَّ؟، فيقول القَهارِمَة: قُدُّوسٌ رَبُّنا، لا، ولكن حور أشرفَتْ من خيمتها شوقًا إليك، فلما نظرَتْ إليكَ مُتَّكِئًا على سريرك تبسَّمَتْ إليكَ فرَحًا وشوقًا، فما غشِيَكَ فهو من نورِ ثَغْرِها» (¬٣).