فلما قدِمْتُ جعلني في نَخْلِه، فكنتُ أَسْتَقي كما يَسْتَقي البعير حتى دبر ظهري وصَدْري من ذلك، ولا أجد أحدًا يَفْقَهُ كلامي، حتى جاءت عجوز فارسية (¬١) تَسْتَقي، فكلَّمْتُها، ففَهِمَتْ كلامي، فقلتُ لها: أين هذا الرَّجُل الذي خرج؟ دليني عليه، قالت: سَيَمُرُّ عليك بكرةً إذا صلَّى الصُّبْحَ مِنْ أَوَّل النَّهار.
فخرجتُ، فجمعت تمرًا، فلما أصبحتُ جِئْتُ، ثم قرَّبْتُ إليه التَّمْرَ، فقال: «ما هذا، أصدقةٌ أم هديَّةٌ؟ فأشَرْتُ أنَّه صدقة، فقال: «انْطَلِقْ إلى هؤلاء» وأصحابه عنده، فأكَلُوا، ولم يأكُل، فقلتُ: هذه الأمارة.
فلما كان من الغد، جئتُ بتمر، فقال: ما هذا؟» فقلت: هذه هديَّةٌ، فأكل، ودعا أصحابه، فأكَلُوا.
ثم رآني أتعرَّض لأنظُرَ إلى الخاتم، فعرَفَ، فَأَلْقَى رِداءَه، فأخذتُ أُقبِّلُه والتزمه، فقال: «ما شأنك؟» فسألني، فأخبَرْتُه خبَرِي، فقال: «اشترطت لهم أنك عبد، فاشتر نفسك منهم».
فاشتراه النبي ﷺ على أَنْ يُحْيِيَ (¬٢) له ثلاث مئة نخلة، وأربعين أُوقِيَّةِ ذهب، ثم هو حُرّ، قال النَّبِيُّ ﷺ: «اِغْرِس» فغرس، ثم قال: «انْطَلِقْ فَأَلْقِ الدَّلْوَ على البئر، ثم لا ترفعه حتى يرتَفِعَ، فإنه إذا امتلأ ارتفع، ثم رُش في أصولها» ففعل، فنبَتَتْ النَّخْلُ أسرعَ النَّبات، فقالوا: سبحان الله ما رأينا مثل هذا العبد إنَّ لهذا العبد لَشَأْنًا، فاجتمع عليه النَّاس، فأعطاه النبي ﷺ تبرًا، فإذا فيه أربعون أُوقِيَّة (¬٣).