ثم قام الثالث منهم، فقال لصاحبه: تَنَحَّ، فنحاه عنِّي، وأمَرَّ يده ما بين مَفْرِق صَدْري إلى مُنْتَهى عانَتِي، فَالْتَأَم ذلك الشَّقُّ بإذن الله ﷿، ثم أخذ بيدي وأنهضَنِي مِنْ مكاني إِنْهاضًا لطيفًا.
ثم قال للأول الذي شَقَّ بَطْني: زِنْه بعشرة [مِنْ أُمَّتِه] (¬١)، فوزَنوني بهم فرجَحْتُهم، ثم قال: زِنْه بِمثَةٍ مِنْ أُمَّتِه، فوزَنوني فرجَحْتُهم، فقال: دَعُوه، فلو وزَنْتُموه بِأُمَّتِه كُلِّها رجحَهُم، ثم انكَبُّوا عليَّ فضَمُّوني إلى صدورهم، فقبلوا رأسي وما بين عيني، ثم قالوا: يا حبيب، لم تُرَعْ، إنَّك لو تدري ما يُراد بك من الخير لقرَّتْ عينك.
فبينا نحن كذلك، إذا نحن بالحي قد جاؤوا بحذافيرهم، وإذا أُمِّي - وهي ظئري - أمام الحيّ تَهْتِفُ بِأَعْلَى صوتِها، وهي تقول: يا ضَعِيفاه، اسْتُضْعِفْتَ مِنْ بين أصحابِكَ فقُتِلْتَ لِضَعْفِكَ، وانْكَبُّوا عليَّ وضَمُّوني إلى صدورهم، وقَبَّلوا رأسي وما بين عينيَّ، وقالوا: حبَّذا أنت من ضعيف، قالت ظهري: يا وَحِيْداه، فانكَبُّوا عليَّ وقالوا: حبَّذا أنتَ من وحيد، وما أنتَ بوحيد؛ إنَّ الله ﷿ معك، وملائكته والمؤمنون من أهل الأرض، ثم قالت ظري: يا يتيماه، فانكبوا عليَّ وقالوا: حبَّذا أنت من يتيم، ما أكرمك على الله - تعالى -، ولو تدري ما يُراد بك من الخير.
فلما بَصُرَتْ بي أمي - وهي ظئري - قالت: يا بني ألا أراك حيًا بعد، فجاءت فأخذَتْني فضمَّتْني إلى صَدرِها، وأجلسَتْني (¬٢) في حجرها، فوالذي نفسي بيده، إِنِّي لَفِي حَجْرِها وإِنَّ يَدِي لَفِي يَدِ بعضهم، فجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ إليهم، وظَنَنْتُ أنَّ القوم يُبْصِرونهم، فإذا هم لا يُبْصِرون، فيقول بعض القوم: قد أصابَ هذا الغلامَ لمَمٌ وطَيْفٌ مِنْ الجِنِّ، اذهبوا (¬٣) به إلى كاهننا حتى ينظر إليه.