قيامًا تامًا، فتمّ في أيامه فتح الشام ومصر وأكثر إقليم فارس، وتقهقر كسرى إلى أقصى مملكته، وفر قيصر إلى القسطنطينية وأنفق أموالهما في سبيل الله.
ثم امتدت دولة عثمان إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت المغرب إلى البحر المحيط. ومن ناحية المشرق مدائن العراق وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون الترك مقتلة عظيمة جدًا. وخذل الله ملكهم (خاقان) ولهذا ثبت في «الصحيح» أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها» (¬١). فها نحن نتقلب فيما وعد الله ورسوله (¬٢)، والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا. قال البراء بن عازب: نزلت هذه الآية ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ونحن في خوف شديد (¬٣). أي: كانوا خائفين يمسون ويصبحون في السلاح.
وإن رجلًا من الصحابة قال: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال رسول ﷺ: «لن تصبروا إلا يسيرًا، حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيًا ليس فيه حديدة» فأنزل الله هذه الآية الكريمة ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (¬٤) الآية كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦].
وقوله تعالى: ﴿وَلَيُمَكِنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ كما روى أحمد عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة في الدين