وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو يعلى الموصلي عن عبد الله بن أنيس قال: «فينادي بصوت يسمعه مَنْ بَعُد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان» (¬١) وفي تفسير شيبان عن قتادة: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٨] قال: «صوت رب العالمين»، ذكره ابن خزيمة (¬٢)، والأحاديث والآثار عن السلف كثيرة في ذلك جدًا، وتقدم حديث أبي سعيد في «الصحيح» الذي بلغناه الصحابة والتابعون وتابعوهم، وسائر الأمة تلقته بالقبول وتقييده بالصوت إيضاحًا وتأكيدًا كما قيد التكلم بالمصدر، في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل أن الله قد أحب فلانًا فأحبه … » (¬٣) الحديث، والذي تعقله الأمم من النداء إنما هو الصوت المسموع، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١].
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] وهذا النداء هو رفع أصواتهم الذي نهى الله عنه المؤمنين، وأثنى عليهم بعضها في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية [الحجرات: ٣]، وكل ما في القرآن العظيم من ذكر كلامه وتكليمه وأمره ونهيه دال على أنه تكلم حقيقة لا مجازًا، وكذا نصوص الوحي الخاص كقوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣].
وقد نوع الله هذه الصفة في إطلاقها عليه تنويعًا يستحيل معه نفي حقائقها،