الماضية الكافرة بالله، وقد كُذِّب الرسل من قبلك فلك بهم (¬١) أسوة، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم، فإن تكذيبهم لك أشد من تكذيب غيرك من المرسلين، قال الله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية [النحل: ٦٣] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] أي: كيف نصرناهم وجعلنا العاقبة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة، وقوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ أي: هذه الأمة التي بعثناك فيهم يكفرون بالرحمن لا يقرون به؛ لأنهم كانوا يأنفون من وصف الله بالرحمن الرحيم، ولهذا أنفوا يوم الحديبية أن يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم.
وقالوا: ما ندري ما الرحمن الرحيم، قاله قتادة والحديث في صحيح البخاري (¬٢)، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وفي صحيح مسلم (¬٣) عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله، وعبد الرحمن»، ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: هذا الذي تكفرون به أنا مؤمن به معترف مقر له بالربوبية والألوهية (¬٤)، هو ربي لا إله إلا هو ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: في جميع أموري ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ أي: إليه أرجع وأنيب، فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه» (¬٥).
الباب الرابع
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾
قال (رحمه): «يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ وهم قائمون بمقتضاه