الْغَفَّارِ﴾ فهذه دعوة جميع الرسل ودعوة كل متبع لهم، فأهل الحق ينادون إخوانهم يا قومنا اعبدوا الله وحده ولا تعبدوا الأوثان، لا تذبحوا لها ولا تنذروا لها ولا تقيموا حولها مواسم وأعيادًا، أو تتخذوها آلهة من دون الله، إننا لكم من الناصحين، ونبرأ إلى الله مما أنتم عليه.
فائدة ثانية: معنى ﴿لَا جَرَمَ﴾: حقًا؛ يعني: إن الحق هو أن ما تدعونني إليه ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ كما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ، وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤]، فكل من دعا غير الله لجلب خير أو دفع شر فهو من الكافرين - بنص القرآن - ودعاؤه في ضلال.
فائدة ثالثة: قول الحافظ (ك) في تفسير قوله تعالى: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى الله أي: أتوكل على الله وأستعينه وأقاطعكم وأباعدكم فمن وحد الله تعالى في ربوبيته وعبادته وأسمائه وصفاته واتبع رسوله ﷺ لكنه لا يتبرأ من المشركين ولا يقاطعهم ولا يباعدهم (¬١) بل يتولاهم ويرغب في صحبتهم ولا ينكر عليهم شركهم يكون غير عامل بقوله تعالى حكاية عن إمام الموحدين إبراهيم الخليل: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨]. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٩، ٥٠]. فيجب على كل موحد مخلص دينه الله أن يعتزل المشركين، وحينئذ يهب الله له خيرًا كثيرًا ويرى ما يسرّه في أبنائه وأحفاده، فإن يعقوب، ابن إسحاق وإسحاق، ابن إبراهيم (¬٢)، ويهب الله له شيئًا كثيرًا من رحمته ويجعل له لسان صدق عند المؤمنين من أهل زمانه ومن بعدهم (¬٣)، وسيأتي إن شاء الله زيادة على هذا في سورة المجادلة وفي (سورة الممتحنة).