نقمة الله بكم، كما حلت بالأمم الماضية من المكذبين بالمرسلين، صَعِقَةٌ مِثْلَ صَعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ أي (¬١): ومن شاكلهما ممن فعل كفعلهما ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الأحقاف: ٢١] أي: في القرى المجاورة لبلادهم، بعث الله إليهم الرسل يأمرونهم (¬٢) بعبادة الله وحده لا شريك له، ومبشرين ومنذرين، ورأوا ما أحل الله بأعدائه من النقم وما ألبس أولياءه من النعم، ومع هذا ما آمنوا ولا صدقوا بل كذبوا وجحدوا، وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلَائِكَةً﴾ أي: لو شاء (¬٣) أرسل الله رسلًا لكانوا ملائكة من عنده، ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم به﴾ أي: أيها البشر ﴿كَافِرُونَ﴾ أي: لا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بغوا وعتوا وعصوا ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ أي: اغتروا (¬٤) بشدة تركيبهم وقواهم واعتقدوا أنهم يمتنعون بها من بأس الله، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: أفلا (¬٥) يتفكرون، فيمن يبارزون بالعداوة؟ فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها، وإن بطشه شديد، كما قال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] فبارزوا الجبار بالعداوة وجحدوا بآياته، وعصوا رسله، فلهذا قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ قال بعضهم: وهي الشديدة الهبوب، وقيل: الباردة، وقيل: هي التي لها صوت، والحق أنها متصفة بجميع ذلك.
وقوله تعالى: ﴿في أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ أي: متتابعات ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] كقوله: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرّ﴾ [القمر: ١٩] أي: ابتداؤها (¬٦) بهذا العذاب في يوم نحس عليهم واستمر بهم هذا النحس سبع ليال وثمانية أيام [حسومًا] (¬٧)، حتى أبادهم عن آخرهم، واتصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة. ولهذا قال تعالى: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾ أي: