هذا وقدّر الجمل، والبيضاوي فعلا لتعليق هذه العلل، فقالا: وشرع الله تلك الأحكام على سبيل اللّف فإنّ قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ علّة للأمر بمراعاة العدّة، وقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ﴾ علّة للأمر بالقضاء، وبيان كيفيته، وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ علّة للترخيص، والتيسير، ثمّ قال الجمل-رحمه الله تعالى-: وهذا نوع من اللّف لطيف المسلك، لا يكاد يهتدي إلى تبيينه إلا النقّاد من علماء البيان. انتهى.
بعد هذا يجوز عطف (﴿لِتُكْمِلُوا﴾) و (﴿لِتُكَبِّرُوا﴾) على ﴿الْيُسْرَ﴾ و ﴿الْعُسْرَ﴾ وعليه في اللام أوجه، أحدها: أنها مزيدة في مفعول الإرادة. قاله الزمخشري في غير هذا الموضع، وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة توكيدا له، لما فيها من معنى الإرادة. وقال ابن عطية-رحمه الله تعالى-: اللام مؤكدة دخلت على المفعول؛ لأن التّقدير: يريد الله بكم اليسر، وتكميل العدة والتكبير في يوم العيد، وليلته. والثاني: أنها لام العلّة، وهذا تقدّم. والثالث: أنها بمعنى «أن» الناصبة، وأنها نصبت الفعل بنفسها، قال الفراء: العرب تجعل لام «كي» في موضع «أن» في أراد، وأمر، وإليه ذهب الكسائي أيضا، انظر الآية رقم [٣٢] من سورة (التوبة) والآية رقم [٣٣] من سورة (الأحزاب) والآية رقم [٢٦] من سورة (النساء) والآية رقم [٧١] من سورة (الأنعام) والآية رقم [٨] من سورة (الصف)، ومثل ذلك قول كثيّر-وهو الشّاهد رقم [٣٩٤] من كتابنا:
«فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
أريد لأنسى ذكرها فكأنّما... تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾
الشرح: ﴿عِبادِي﴾ جمع: عبد، وهو الإنسان، حرّا كان، أو رقيقا، ويقال للملوك: عبد قن، وله جموع كثيرة، أشهرها: عبيد، وعباد، وأعبد، وعبدان، وعبدة، والإضافة إضافة تشريف، وتكريم، وذكر العبودية مقام عظيم، ولو كان للنّبيّ ﷺ اسم أشرف منه وأعظم؛ لسماه به حينما أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فقال جلّ ذكره: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ..﴾. وفي معناه أنشدوا: [السريع]
يا قوم قلبي عند زهراء... يعرفه السّامع والرّائي
لا تدعني إلاّ بيا عبدها... فإنّه أشرف أسمائي
﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ أي: منهم، أي: بالاطلاع على أحوالهم، وأقوالهم، وأفعالهم. ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ أي: بإعطائه ما سأل. ﴿دَعانِ:﴾ سألني حوائجه، وما يريد من خيري الدّنيا، والآخرة،