قَامُوا، فَجَعَلَ يَذْكُرُ اللهَ، وَيُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ بِذِكْرِهِ وَيُشِيْرُ بِعَيْنَيْهِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَقَال لَهُ: مَا تَعْرِفُنِي يَا سَيِّدِي؟ فَقَالَ: بَلَى، فَقُمْتُ لأُنَاوِلَهُ كِتَابًا مِنْ جَانِبِ المَسْجِدِ، فَرَجَعْتُ وَقَدْ خَرَجَتْ رُوْحُهُ، وَذلِكَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ الثَّالِثِ وَالعِشْرِيْنَ مِنْ شَهْرِ رَبِيع الأوَّلِ مِنْ سَنَةِ سِتِّمَائَةَ، وَبَقِيَ لَيْلَةً الثَّلَاثَاء فِي المَسْجِدِ، وَاجْتَمَعَ الغَد خُلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الأئِمَّةَ وَالأُمَرَاءِ مَا لَا يُحْصِيْهِمْ إِلَّا اللهُ ﷿، وَدَفَنَّاهُ يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ بِـ"القَرَافَةِ" مُقَابِلَ قَبْرِ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرِو ابْنِ مَرْزُوْقٍ (¬١) فِي مَكَانٍ ذَكَرَ لِي خَادِمُهُ عَبْدُ المُنْعِمِ أَنَّهُ كَانَ يَزُوْرُ ذلِكَ المَكَانَ، وَيَبْكِي فِيْه إِلَى أَنْ يَبُلَّ الحَصَى، وَيَقُوْلُ: قَلْبِي يَرْتَاحُ إِلَى هَذَا المَكَانِ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ، وَأَلْحَقَهُ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
قُلْتُ: وَوَقَعَ لابْنِ الحَنْبَلِيِّ فِي وَفَاتِهِ وَهْمٌ، فَقَالَ: سَنَةَ خَمسٍ وِتِسْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَرَثَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ الإمَامُ أَبُو عَبْدِ اللّهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ المَقْدِسِي (¬٢) الأدِيْبُ بِقَصِيدَةٍ طَوِيْلَةٍ، أَوَّلُهَا (¬٣):