سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ، وَقَامَ بِكُلِّ مَؤُوْنَتِي وَتَحَمُّلِي، فَقُمْتُ مِنَ الحَلْقَةِ أَتَتَبَّعُ حِلْقَ العُلَمَاءِ لِتَلَقُّطِ الفَوائِدِ.
وَأَمَّا أَهْلُ بَيْتِي فَإِنَّ بَيْتَ أَبِي كُلُّهُمْ أَرْبَابُ أَقْلَامٍ، وَكِتَابَةٍ، وَشِعْرٍ، وَآدَابٍ، وَكَانَ جَدِّي مُحَمَّدُ بنُ عَقِيْلٍ كَاتِبُ حَضْرَةِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ المُنْشِيءُ لِرِسَالَةِ "عَزْلِ الطَّايِعِ وَتَوْلِيَةِ القَادِرِ" (¬١)، وَوَالِدِي أَنْظَرُ النَّاسَ وَأَحْسَنُهُمْ جزْلًا (¬٢) وَعِلْمًا. وَبَيْتُ أُمِّي (¬٣) بَيْتُ الزُّهْرِيِّ صَاحِبِ الكَلَامِ وَالدَّرْسِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيْفَةَ. وَعَانَيْتُ مِنَ الفَقْرِ، وَالنَّسْخِ بِالأُجْرَةِ، مَعَ عِفَّةٍ وَتُقًى (¬٤). وَلَا أُزَاحِمُ فَقِيْهًا فِي حَلْقَةٍ، وَلَا تَطْلُبُ نَفْسِي رُتْبَةً مِنْ رُتَبِ أَهْلِ العِلْمِ القَاطِعَةِ لِي عَنِ الفَائِدَةِ. وَتَقَلَّبَتْ (¬٥) عَلَيَّ الدُّوَلُ فَمَا أَخَذَتْنِي دَوْلَةُ سُلْطَانٍ، وَلَا عَامَّةَ عَمَّا أَعْتَقِدُهُ أَنَّهُ الحَقُّ، فَأُوْذِيْتُ مِنْ أَصْحَابِي حَتَّى طُلِبَ الدَّمُ، وَأُوْذِيْتُ فِي دَوْلَةِ النِّظَامِ بِالطَّلَبِ وَالحَبْسِ - فَيَا مَنْ خِفْتُ الكُلَّ لأَجْلِهِ لَا تُخَيِّبْ ظَنِّي فِيْكَ - وَعَصَمَنِي اللهُ تَعَالَى فِي عُنْفُوانِ شَبَابِي بِأَنْوَاعٍ مِنَ العِصْمَةِ، وَقَصَرَ مَحَبَّتِي