المقصود.
الصورة الثالثة: أن يأتي في التحديث بلفظ يُوهِم أمرًا لا قدح في إيهامه ذلك، كقوله: (حدثنا وراء النهر) موهِمًا أنه نهر جيحون وهو يريد به نَهر عيسى ببغداد أو الجيزة ونحوها بمصر، فلا حرج بذلك. قاله الآمدي (¬١)؛ لأنَّ ذلك من باب الإغراب، وإنْ كان فيه إيهام الرحلة إلا أنه صِدقٌ في نفسه، ونحوُه أنْ يقول: (حدثني فلان بِالعراق) يريد موضعًا بِإخْمِيم (¬٢)، أو: (بِزَبِيد) (¬٣) يريد موضعًا بِقُوص (¬٤)، أو: (بِحلب) يريد موضعًا متصلًا [بالقارة] (¬٥).
قولي: (مُوهِمًا رِحْلَةً اوْ إدْرَاكَا) أي: أو موهما إدراك مَن لم يُدركه وقد عُرف أنه لم يدركه، فلا يضر، غايته أن يكون الحديث منقطعًا والثقات تروي المنقطع ولا يقدح ذلك فيهم، وهذا هو المحترز عنه فيما سبق في تعريف "تدليس الإسناد": "أن يروي عمن لقيَه أو عاصره ما لم يسمع منه"، إذْ مفهومه أنه إذا لم يُعاصره ولا لقيه أنه غير [مُدلس] (¬٦) على الصحيح المشهور، وحكى ابن عبد البر في "التمهيد" عن قومٍ أنه تدليس، قال: فعلى هذا لا يَسْلم مِن التدليس أحد، لا مالك ولا غيره. والله أعلم.