وفلان وفلان (١)، نفرٌ سمّاهم بأسمائهم، فانطلق، فدعاهم، فحلفوا بالله واعتذروا إليه))، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا﴾ " (٢).
﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: يُوالُون اليهودَ، وهم المغضوبُ عليهم.
﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾: كقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣]، بل هم منافقون (٣).
﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ﴾: أنهم ليسوا منافقين.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)﴾: أنهم كاذبون منافقون (٤).
﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥)﴾.
﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ﴾: الكاذبةَ.
﴿جُنَّةً﴾: وِقايةً دونَ دمائهم وأموالِهم.
﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عن طاعته والإيمان به.
وقيل: صدُّوا المؤمنين عن سبيل حُكمه من القتل في أمثالهم الكفَرَة (٥).
﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦)﴾.
﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾: لن تدفع.
﴿أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧)﴾.
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾: لله في الآخرة أنهم كانوا مخلصين في الدنيا غير منافقين.
﴿كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾: في الدنيا.
وقيل: هو قولُهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].
﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ﴾: في الدنيا.
﴿عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨)﴾: وقيل: ليس في القيامة كذبٌ، وأنهم يحلفون أنهم لم يكونوا كفاراً عند أنفسِهم (٦).
الحسن: "في مواطن يدهشون فيكذبون، كما يكذبُ الصبيُّ، ثم يعرفون قُبحَ الكذب فيتركون " (٧) (٨).
وقيل: هو من قوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، أي: يتكلَّمون بمثل ما كانوا يتكلَّمون في الدنيا (٩).
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾: استولى وغلب، من قول العرب: حُذتُ الإبلَ وحزتُها: إذا استولى عليها، ورجلٌ أحوذيٌّ: نافذٌ في الأمور.
والاستحياذُ: الاستيلاءُ، وشذَّ عن القياس؛ لأنهم لا يستعملوه إلاّ بزيادة (١٠).
﴿فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾: الإيمانَ به، وقيل: الأمرَ والنهيَ.
﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾: جنودُه.
﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)﴾: الأسفلين الصاغرين، في الدنيا بالقتل والسبي، وفي الآخرة بالعذاب والنار (١١).
﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾: قَضَى وحَكَمَ، وقيل: مضى حكمُه، وقيل: أوجب ذلك، وقيل: كتب الله في اللّوح المحفوظ: أن رسلَه غالبون، وأخبر به، فهو كذلك لا محالةَ (١٢).
ويحتمل: أن (١٣) ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾: بمعنى: أقسم، ولهذا وقع بعده اللام ونون التأكيد (١٤)، وهذا ظاهر.
والمعنى لأغلبنَّ ﴿أَنَا وَرُسُلِي﴾: وتغلبُ رُسُلِي: بالسيف والحجة (١٥) (١٦).
﴿إِن اللَّهَ قَوِيٌّ﴾: لا يمتنعُ عليه ما يُريد.
﴿عَزِيزٌ﴾: غالبٌ غيرُ مغلوبٍ.
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ﴾ أي: لا يوادُّون أعداءَ الله، ولو كان ذلك العدوُّ أقربَ الناس إليهم.
ابنُ جُرَيج: " نزلت في أبي بكرٍ، سبَّ أبو قُحَافةَ (١٧) الرسول ﷺ فصكَّه أبو بكرٍ ﵁ صكةً شديدةً سقط منها. ثم ذكر ذلك للنبيّ ﷺ، فقال: ((أوَ فعلتَه))؟، قال: نعم، قال: ((فلا تعُدْ إليه))، فقال أبو بكرٍ ﵁: والله لو كان السيفُ حاضراً لضربتُه به " (١٨).
وعن ابن مسعودٍ ﵁: أنها نزلت في أبي عبيدةَ بنِ الجرّاح (١٩)، قتل أباه يومَ أُحدٍ، وفي أبي بكرٍ دعا ابنَه يومَ بدرٍ إلى البِراز، فقال: يا رسولَ الله، دعني أكن في الرَّعْلة (٢٠) الأول، فقال: له رسولُ الله ﷺ: ((متِّعنا بنفسِكَ، يا أبا بكرٍ (٢١)، أما تعلمُ أنكَ عندي بمنزلة سمعي وبصري))