- ﵌، فاستعطفه وقال: إني رب عيال وفقير ومن هذا الكلام اللين، فترجاه أن يطلق سبيله فحن قلب أبي هريرة وأطلقه، فلما أصبح الصباح ذكر للرسول ﵇ ما وقع له، فقال له ﵇: «ذاك شيطان وسيعود إليك» وفعلاً عاد إليه في الليلة الثانية، وعاد الشيطان إلى استعطافه المذكور آنفاً، فأيضاً أطلق سبيله، ثم ذكر ثاني يوم ما وقع له مع الشيطان فأكد له قوله السابق: «ذاك شيطان وسيعود إليك».وهكذا جاء الشيطان في المرة الثالثة، فلما ألقى القبض عليه وأراد أن يأخذه إلى الرسول ﵇، قال: أطلقني وأنا أنصحك بنصيحة، إذا قرأت آية الكرسي حينما تأخذ مضجعك فإنه لا يمسك في تلك الليلة إنس ولا جان، فكأنه دخل في قلبه صدق هذا الكلام فأطلق سبيله، وفي الصباح ذكر أبو هريرة للرسول ﵇ ما فعل مع الشيطان، قال كلمته المشهورة: «صدقك وهو كذوب».
فهذا حديث في صحيح البخاري، فهو يؤكد أن للشيطان حق التمثل وقدرة التمثل بالصور التي يريدها، وفي صحيح مسلم أن النبي ﵌ كان يصلي ذات ليلة أو ذات يوم بأصحابه، فرأوه وهو يؤمهم كأنه مد يده ويقبض على شيء، وبعد الصلاة قالوا له: رأيناك يا رسول الله فعلت كذا وكذا، قال: نعم، «لقد هجم علي شيطان بشعلة من النار يريد أن يقطع علي صلاتي، فأخذت بيدي وشددت على عنقه حتى وجدت برد لعابه في يدي، ولولا دعوة أخي سليمان ﵊ لربطته بسارية من سواري المسجد حتى يصبح أولاد المدينة يلعبون به»، فهذه أمور يعني لا يمكن للمسلم الذي يؤمن بعالم الغيب أولاً ثم يؤمن بما
صح من الأخبار ثانياً إلا أن يؤمن بهذه الحقيقة. هذا هو الجواب أيضاً عن هذا السؤال الأخير.
"الهدى والنور" (٤٨٥/ ٤٤: ٠٠: ٠٠)