الفرع الثاني: الكهانة
الكهانة هي طلب العلم بالمستقبل والإخبار عما في الضمير. فالكاهن مدع للعلم بالغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله، كما قال ﷾: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا.
وأما ما يتكلم به الكاهن فيقع كما أخبر فذلك سببه مسترق السمع من الشياطين الذي يلقي للكاهن ما استرقه ومعه تسعا وتسعين كذبة، فصارت نسبة إصابته الحق في حقه واحد إلى مائة مما يدل على أن إصابة الحق عنده ضعيفة جدا، بل بعيدة للغاية، وعندئذ فلا تكون إصابته لأنه عالم، بل لأنها وافقت ما في علم الله، وإلا فإنه رماها مع عدم علمه بأنها ستقع قطعاً.
وعلى هذا، فالكاهن في إخباره عما يقع في المستقبل، أو في الضمير كاذب في ادعاء علمه، وهو يستغل البسطاء من الناس، ويسلب أموالهم بغير حق، وهو ينشر أنواع الشعوذات فيهم، ويجعلهم أكثر قابلية للدجل، والشعوذة والإيمان بالخرافة.
ومن هنا حرمت الكهانة وما في معناها من العرافة وهي: الاستدلال على المسروق ببعض المقدمات، كأثر السارق، ورؤية محل السرقة، أو منديل السارق، أو نحو ذلك؛ لأنها من جنس الكهانة، وفيها ما فيها من معنى.
والكاهن كافر بالله كفراً أكبر لادعائه علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ومن أتاه مصدقاً أنه يعلم الغيب كافراً كفراً أكبر، أما من لم يصدقه لكن حضر مكانه ليرى ما يفعله لا لقصد الشهادة عليه أو أمره بمعروف، أو نهيه عن منكر، أو حضر ليعمل بما أشار به لدعوى أنه لا ضرر فيه، فإن أفاد حصل المطلوب، وإن لم يحصل فلا ضرر؛ فإنه كافر كفراً أصغر، أكبر من كبائر الذنوب.
قال الرسول ﵊: ((من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ) رواه أبو داود. وفي رواية للأربعة والحاكم: ((من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ). (١). وقال ﵊: ((من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)) رواه مسلم (٢).
هذا، ولأحمد ﵁ فيمن أتى الكاهن فصدقه روايتان:
إحداهما: أنه كفر أصغر ولعله الراجح.
الثانية: التوقف مع تسميته كافراً كما سماه الرسول ﷺ, فالتوقف في الحكم لا في التسمية، فلا يقال: ينقل عن الملة.
ويلتحق بالكاهن حكماً به الرمال، والضرب بالحصى، وقراءة الكف، والفنجان، وقراءة الحروف الأبجدية، وقراءة البروج، وقراءة الخطوط ونحو ذلك مما انتشر في هذا العصر من أنواع الكهانة. المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١٤٣