ج- هل يوجد شيء من آثار الرسول ﷺ في العصر الحاضر؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال أحب أن أنبه على أن حكم التبرك بآثار الرسول ﷺ باق على مشروعيته، لا يقتصر على الصحابة ﵃ أو التابعين فقط رحمهم الله تعالى، فإن بركة آثار الرسول ﷺ باقية فيها، وليس هناك ما يرفعها.
وإجابة عن السؤال الآنف الذكر لابد من بيان الأمور الآتية:
أولاً: جاء في صحيح البخاري ﵀ عن عمرو بن الحارث ﵁ أنه قال: (ما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهماً ولا ديناراً، ولا عبداً ولا أمة، ولا شيئاً، إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضاً جعلها صدقة) (١).
ولا شك أن هذا يدل على قلة ما خلفه الرسول ﷺ بعد موته من أدواته الخاصة.
ثانياً: وردت أخبار عديدة بعد عصر الصحابة ﵃، والتابعين ﵏، إلى يومنا هذا تدل على حصول هذا التبرك بآثار المصطفى ﷺ، من قبل بعض الخلفاء والعلماء والصالحين، وإن كان بعض هذه الأخبار ليس صحيحاً، وهذا إما بسبب ضعف في روايته، أو لعدم صحة نسبة الأثر ذاته إلى الرسول ﷺ، وهذا هو الأكثر.
قال صاحب كتاب (الآثار النبوية) بعد أن سرد الآثار المنسوبة إلى النبي ﷺ وغيره، بالقسطنطينية – عاصمة الخلافة العثمانية -: (لا يخفى أن بعض هذه الآثار محتمل الصحة، غير أنا لم نر أحداً من الثقات ذكرها بإثبات أو نفي، فالله سبحانه أعلم بها، وبعضها لا يسعنا أن نكتم ما يخامر النفس فيها من الريب ويتنازعها من الشكوك) (٢) الخ.
ثالثاً: ثبوت فقدان الكثير من آثار الرسول ﷺ على مدى الأيام والقرون، بسبب الضياع، أو الحروب والفتن، وغير ذلك.
ومن الأمثلة على هذا ما يأتي:-
١ - جاء في صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (اتخذ رسول الله ﷺ خاتماً من ورق فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع منه في بئر أريس، نقشه – محمد رسول الله -) (٣).
٢ - فقدان البردة والقضيب في آخر الدولة العباسية حين أحرقهما التتار عند غزوهم لبغداد سنة ٦٥٦هـ (٤).
قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: (وقد توارث بنو العباس هذه البردة خلفاً عن سلف، وكان الخليفة يلبسها يوم العيد على كتفيه، ويأخذ القضيب المنسوب إليه صلوات الله وسلامه عليه في إحدى يديه، فيخرج وعليه من السكينة والوقار ما يصدع به القلوب، ويبهر به الأبصار) (٥).
٣ - ذهاب نعلين ينسبان إلى النبي ﷺ في فتنة تيمورلنك بدمشق سنة ٨٠٣هـ (٦).
ومن الأسباب أيضاً لفقدان الآثار النبوية وصية بعض من عنده شيء منها أن يكفن فيه إن كان لباساً، كما تقدم قريباً من حديث سهل بن سعد ﵁، أو يوصي بأن يدفن معه بعد موته، إن كان ذلك الأثر شعرات مثلاً (٧).