وادعاء النبوة يناقض كون القرآن حجة على كل من بلغه، حيث قال تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغ [الأنعام:١٩].
فالقرآن نذير لكل من بلغه من العالمين، فمن ادَّعى النبوة فقد طعن في كون القرآن نذيراً لكل من بلغه من الثقلين، كما أن ادعاء النبوة طعن في حفظ القرآن الكريم عن الزيادة والنقصان، يقول تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:٩].
إضافة إلى ذلك، فإن ادعاء النبوة طعن في عموم الرسالة المحمدية، وقد قال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:١٥٨]
فهو ﷺ رسول إلى جميع الناس، كما جاءت بذلك الكثير من النصوص والأحاديث الصحيحة، وهو أمر معلوم من دين الإسلام بالضرورة، فالثقلان مطالبون باتباع الرسول ﷺ، وعدم مخالفته، فما بالك بمن افترى على الله كذباً، فزعم أنه نبي يوحي إليه؟
هـ- أن ادعاء النبوة تكذيب للإجماع، فقد أجمع العلماء على أنّ محمداً ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فلا نبي بعده، كما أجمعوا على تكفير من ادعى النبوة لأحد بعد رسول الله ﷺ، ونورد جملة من أقوال أهل العلم ممن حكى هذا الإجماع على النحو التالي:
يقول عبد القاهر البغدادي: أجمع المسلمون وأهل الكتاب على أن أول من أرسل من الناس آدم ﵇، وآخرهم عند المسلمين محمد ﷺ (١).
ويقول ابن حزم: واتفقوا على أنه لا نبي مع محمد ﷺ ولا بعده أبداً (٢).
ويقول في موضع آخر: وأما من قال أن بعد محمد ﷺ نبياً غير عيسى ابن مريم، فإنه لا يختلف اثنان في تكفيره لصحة قيام الحجة بكل هذا على كل أحد (٣).
ويقول في موضع ثالث: من ادعى نبوة لأحد بعد رسول الله ﷺ حاشا عيسى ابن مريم - فهو كافر، ولا خلاف في ذلك من أحد من أهل الإسلام، وذلك لخلافه القرآن، والثابت عن رسول الله ﷺ (٤).
ويقول القاضي أبو يعلى: ونبينا ﷺ خاتم الأنبياء، ولا يبعث الله نبياً بعد نبينا، خلافاً لأهل التناسخ، والخرمية (٥) في قولهم: يجوز أن يبعث الله نبياً بعد نبينا، وإن الأنبياء لا ينقطعون عن الخلق أبداً، والدلالة عليه إجماع الأمة أن نبينا خاتم النبيين، وقد قال الله تعالى وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:٤٠].
وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأكمله إلا موضع لبنة من زاوية، فقال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين)) (٦) (٧).