قال تعالى: لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد:١٠] فالخطاب في هذه الآية الكريمة موجه لأصحاب رسول الله ﷺ والوعد فيها بالجنة لجميعهم ﵃ فكل من صحب رسول الله ﷺ بنية صادقة ولو ساعة واستمر على الإيمان حتى مات فإنه من أهل الجنة لا يدخل النار لتعذيب إلا أن الذين أسلموا من بعد الفتح وقاتلوا لا يلحقون من أسلم وقاتل قبل الفتح في المرتبة وعلو الدرجة وكلاً وعد الله الجنة ورضي عنهم ومن كمال ورع علي ﵁ أنه لم ينسب أحداً إلى الشرك أو إلى النفاق ممن قاتله من أهل القبلة بل كان يقول ﵁ (هم إخواننا بغوا علينا) (١) ذلك هو معتقد علي ﵁ في قتلى الصحابة ﵃ في موقعتي الجمل وصفين فقد شهد للقاتل والمقتول منهم بالجنة لأنهم لم يقصدوا بقتالهم إلا الحق والاجتهاد ولم يكونوا مقاتلين لغرض دنيوي أو لإيثار باطل أو لدافع الحقد حاشاهم من كل ذلك وقد ثبت كذلك أن أم المؤمنين عائشة ﵂ ترحمت على من قاتلها يوم الجمل أو قتل معها من صحابة رسول الله ﷺ.
فقد ذكر ابن الأثير: (أنها ﵂ لما كانت بالبصرة بعد وقعة الجمل سألت يومئذ عمن قتل من الناس معها ومنهم عليها والناس عندها فكلما نعي واحد من الجميع قالت: يرحمه الله فقيل لها: كيف ذلك؟ قالت: كذلك قال رسول الله ﷺ: ((فلان في الجنة، وفلان في الجنة)) (٢).) (٣).
وقولها ﵂: فلان في الجنة، وفلان في الجنة تعني بذلك من شهد له رسول الله ﷺ بالجنة وسماه مثل طلحة والزبير ﵄. ولقد تقدم معنا أن علياً ﵁ تصرف فيما خلفه القتلى في يوم الجمل تصرفاً يدل على أن تلك الحرب لم تكن بين مسلمين وغير مسلمين وإنما هي حرب بين فريقين من المسلمين يرى كل فريق منهما أن الحق في جانبه حيث جمع كل مخلفات موقعة الجمل وبعث بها إلى مسجد البصرة وقال: (من عرف شيئاً فليأخذه إلا سلاحاً كان في الخزائن عليه سمة السلطان) (٤).