وأما أن هذه خصوصية للنبي سليمان ﵇ ومعجزة دالة على رسالته ـ كما قال صاحب الدعوى عبد الله النوري ـ فهي دعوى لا تمنع من تسخيرهم ورؤيتهم بعده. يقول البهي الخولي: (وإذا كان ذلك التسخير خصوصية لا تنبغي لأحد بعد سليمان فإن سر تلك الخصوصية لم ينقطع بعده) (١) واختصاص سليمان ﵇ بذلك إنما هو على جهة تسخيرهم في الأعمال, وبناء القصور, والقلاع وغير ذلك، وهذا لم يقل به أحد من الناس، وأنه ممكن للبشر بعده، أما أن يختص سليمان برؤيتهم دون غيره فهذا ما ترده الشواهد الدالة على إمكانية رؤية الأنبياء وغيرهم للجن. بل إن تسخيرهم لنبينا ﵊ كان ممكناً عندما قال: ((فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلكم)) (٢) الحديث، لكن الذي منعه هو تذكره لدعوة أخيه سليمان ﵇: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [ص: ٣٥]. وإلا فالتسخير كان ممكناً لمحمد ﵇، فكيف لا تكون الرؤية للجن جائزة في حقه صلى الله عليه وسلام؟.
وبمثل هذا القول قالت القدرية بانتفاء رؤيتهم مطلقاً للأنبياء وغيرهم، يقول الباقلاني: (ومن يقر بوجودهم من القدرية يزعم أنهم لا يرون لرقة أجسامهم ونفوذ الشعاع منها ... ، ومن العلماء من قال: أنهم لا يرون، لأنهم لا ألوان لهم) (٣).
٤ - الفريق الرابع:
الذي يتوسع في دائرة الرؤية، فيثبت رؤية الجن بخلقتهم الأصلية للأنبياء، ولمن اختصه الله بذلك من غير الأنبياء. قال ابن العربي: (وليس يمتنع أن يراهم النبي ﷺ في صورهم كما يرى الملائكة) (٤). ويقول الألوسي: (وقد ترى - أي الجن - بصور غير صورها الأصلية، بل وبصورها الأصلية التي خلقت عليها كالملائكة ﵈، وهذا للأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم، ومن شاء الله تعالى من خواص عباده ﷿ (٥).
وأما رؤية الجن في صورتهم الأصلية لغير الأنبياء فقد روى البيهقي في الدلائل عن الحسن: أن عمار بن ياسر قال: (قاتلت مع رسول الله ﷺ الجن والإنس، فسئل عن قتال الجن فقال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى بئر أستقي منها، فرأيت الشيطان في صورته، فصارعني فصرعته، ثم جعلت أدمي أنفه بفهر كان معي أو حجر. فقال النبي ﷺ لأصحابه: ((إن عمار لقي الشيطان عند البئر فقاتله)) , فلما رجعت سألني فأخبرته الأمر، فكان أبي هريرة ﵁ يقول: إن عمار بن ياسر أجاره الله من الشيطان على لسان رسول الله ﷺ (٦).
ومما تقدم لنا من الأقوال في مسألة رؤية الجن يتبين لنا أن الحق مع الفريق الذي قال بوقوع رؤيتهم للأنبياء مطلقاً ولغيرهم عند تمثلهم، وهو ما عليه الأكثرية من العلماء، وهو القول الذي تدعمه النصوص الثابتة من السنة النبوية، وهو الذي تشهد له التجربة مع كثير من الناس. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: ٢٩