ولما خالف أهل البدع هذه القاعدة كفر بعضهم بعضا، حيث آمن بعضهم بنصوص وكفروا بأخرى، فقد آمن - مثلاً- الوعيدية: من الخوارج والمعتزلة بنصوص الوعيد (١)، وكفروا بنصوص الوعد، وقابلهم المرجئة فآمنوا بنصوص الوعد (٢) وكفروا بنصوص الوعيد، وأهل السنة والجماعة آمنوا بكل وجمعوا بين النصوص، واعتمدوا على قول الله تعالى: عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٥٦].
وقال تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ٤٨].
وكذا الجبرية آمنوا بما كفر به القدرية، وكفروا بما آمن به القدرية، والحق الإيمان بجميع النصوص، واعتقاد نفي التعارض بينها، قال تعالى: لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]، فأثبت مشيئة للإنسان مقيدة بمشيئة الرحمن.
فالتفّت – بحمد الله – النصوص واجتمعت، وزالت الشبه وارتفعت الحجب وانقلعت.
(وقد استعمل هذه القاعدة كثير من أئمة العلم والدين في كسر المبتدعة وتفنيد شبهاتهم، كصنيع الإمام الشافعي ﵀ في كتاب الرسالة، وفي كتاب مختلف الحديث، وكذلك الإمام أحمد ﵀ في الرد على الجهمية، والإمام ابن قتيبة ﵀ في كتاب مختلف الحديث، والطحاوي ﵀ في مشكل الآثار، وغير هؤلاء كثير من أئمة السنة) (٣). علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري – ص٣٣٧